ماذا خسرت إسرائيل في سيدني؟

كتاب النهار 18-12-2025 | 04:50
ماذا خسرت إسرائيل في سيدني؟
سعت حكومة بنيامين نتنياهو إلى الاستثمار في فاجعة يهودية لترفد حجتها وترمم ما تصدّع في روايتها... لكن الرياح جاءت بغير ذلك.
ماذا خسرت إسرائيل في سيدني؟
رئيس وزراء نيو ساوث ويلز كريس مينز (يسار) متحدثاً إلى أحمد الأحمد، الذي تصدى لأحد مهاجمي شاطئ بوندي ونزع سلاحه، في مستشفى سانت جورج في سيدني. (أ ف ب)
Smaller Bigger

كان يفترض بإسرائيل أن تحصد من اعتداءات سيدني ثماراً لصالح سردياتها المعتادة. سعت حكومة بنيامين نتنياهو إلى الاستثمار في فاجعة يهودية لترفد حجتها وترمم ما تصدّع في روايتها... لكن الرياح جاءت بغير ذلك. بدا الخطاب الإسرائيلي التقليدي متقادماً، ولم يعد ناجعاً استدعاء المظلومية التاريخية و"معاداة السامية" كسيف مُصلت ضد المتجرئين على انتقاد إسرائيل أو المشككين في سياساتها. أظهر الحدث صعوبة تسويق سردية في مرحلة تغيّر فيها المزاج الغربي العام تجاه القضية الفلسطينية بعد حرب لم تنته في غزّة.

تقدم إسرائيل نزاعها مع العالم بصفته أخلاقياً تتم مقاربته بالحجج التاريخية والدفوع العاطفية، مستندة إلى ذاكرة الهولوكوست. ربط نتنياهو الاعتداء بالاحتجاجات المناهضة للحرب على غزة التي شهدتها أستراليا. سهُل استنتاج أن هذا الربط يأتي في سياق النيل من قرار أسترالي غير منسجم مع السياسات الإسرائيلية. كانت أستراليا اعترفت بالدولة الفلسطينية، وسمحت بقيام مظاهرات واسعة دعماً لغزة. وبدا في تصريحات نتنياهو وصحبه عن "معاداة السامية" في أستراليا مناسبة لتصفية حساب قديم.

لاحظ مراقبون أن عنوان "معاداة السامية" فقد زخمه في الخطاب الإسرائيلي، وتراجع نجاح تسويقه لدى المجتمعات الغربية. اكتفت الصحافة الغربية، التي كانت تتبرع تاريخياً بإدانة أي اعتداء على اليهود بصفته "معاداة للسامية"، بتوصيف الهجوم كإرهابي عام، دون تبني الرواية الإسرائيلية أو ربطها بالقضية الفلسطينية.

استاءت عواصم غربية من ربط إسرائيل العملية باعتراف أستراليا بدولة فلسطين، معتبرة ذلك انتقاداً مبطناً للدول الأخرى التي اتخذت خطوات مشابهة. كما أثارت تقارير عن تحضيرات إسرائيلية للرد على الهجوم مخاوف من تدخل في شؤون أستراليا، التي هي وحدها المخولة باتخاذ الإجراءات لحماية مواطنيها. لم تجد الصحافة الغربية رابطاً بين عملية سيدني والحرب في غزة، ولم تشر التحقيقات إلى مسؤولية لفلسطين وقضيتها في عمل ما زال خارج هذا السياق.

تعرف إسرائيل أن هذا ليس خبراً ساراً؛ فغموض دوافع المنفذين، وعدم وجود رابط مع القضية الفلسطينية، جعلا العملية تصنف كإرهاب معزول. حتى إن العلاقة المفترضة للمنفذين مع "داعش" تفرّغ الحدث من صداه الفلسطيني الذي لم يلقَ لدى التنظيم الإرهابي أية أولوية في أنشطته. سقط الاستثمار الإسرائيلي وأطاح به نهائياً تدخل المواطن الأسترالي المسلم أحمد الأحمد، المنحدر من سوريا ومن إدلب بالذات متصدياً لأحد المهاجمين.

قدمت ظاهرة أحمد الأحمد رواية مضادة للرواية الإسرائيلية. وما قدمه الإعلام الغربي عن هذا "البطل" ليس قصة وحيدة معزولة في تاريخ الإرهاب في السنوات الأخيرة. سبق لمسلمين أن كانوا ضحايا إرهاب في أوروبا، وظهرت قصص مشابهة في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها لمسلمين يتصدون لذلك الإرهاب. لكن اللافت أن الحكومة الأسترالية اليسارية بقيادة أنتوني ألبانيز تحصّنت وراء "البطل" لردّ حملات المعارضة ضدها، فيما أصاب "ترند" الشاب المسلم بحرج كل خطاب التيارات الشعبوية واليمين المتطرف في العالم ضد الهجرة والمهاجرين.

لم تستطع إسرائيل الاستفادة من حدث سيدني لإثراء أدوات "مظلومية" أبدية. لم تنل هجمات سيدني من التأييد العام للقضية الفلسطينية، ولم ترفع الهجمات من زخم تضامن مع إسرائيل تراجع في الأشهر الأخيرة. يعبر الأمر عن تحوّلات الرأي العام الغربي بعد "طوفان الأقصى"، لجهة فقدان إسرائيل احتكار امتهان صفة الضحية.

كانت التقارير الأممية بشأن حرب غزّة أسقطت هاجس الإبادة المرتبط بالهولوكوست، وكانت أصوات يهودية أبدت قلقاً من تشويه ذاكرة الهولوكست باستخدام إسرائيل المفرط لعناوين "معاداة السامية". خسرت إسرائيل رهانها في غزة، ما يوحي بأعراض نهاية رواية وحاجة إسرائيل لاختراع رواية تتسق مع "سوق" تفقده.