العراق: يونامي... وخيبة الأمل

كتاب النهار 18-12-2025 | 04:41
العراق: يونامي... وخيبة الأمل
رغم أن الحكومة العراقية عدت إنهاء عمل البعثة استعادة للسيادة الوطنية وتعزيزاً للاستقرار السياسي، إلا أن الواقع لا يشير إلى أي منجز
العراق: يونامي... وخيبة الأمل
السوداني يلقي كلمة في حفل بمناسبة انتهاء مهمة يونامي. (أ ف ب)
Smaller Bigger

إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق "يونامي" UNAMI التي أُنشئت عام 2003 بقرار من مجلس الأمن الدولي بعد سقوط النظام السابق، ليس حدثاً عابراً في أيام بغداد الحالية؛ فالبعثة التي كان مخططاً لها أن تساعد في تجاوز المرحلة الانتقالية، من خلال تقديم المشورة السياسية للحكومات العراقية ودعم الحوار الوطني والمصالحة والانتخابات والإشراف الفني عليها وتعزيز حقوق الإنسان ورصد الانتهاكات والتنسيق بالمساعدات الإنسانية وإعادة الاستقرار لما بعد العنف الطائفي والحروب الداخلية، ذكرت أن مغادرتها جاءت بناءً على "طلب من الحكومة العراقية"، ما يؤشر  إلى عدم قناعة تامة للبعثة بغلق الملفات التي كانت تعمل عليها طوال عقدين من تاريخ التحول الديموقراطي.

لا يمكن فصل الطلب الذي تقدم به رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني برسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 8 أيار/ مايو 2024، لإنهاء أعمال بعثة اليونامي، عن طلب حلفائه في الإطار التنسيقي من الكيانات المسلحة، بإنهاء مهام التحالف الدولي وانسحاب القوات الأميركية والمقرر في أيلول/ سبتمبر 2026، فهذا الإنهاء المزدوج المتزامن، لا يمكن أن يفسر إلا كمحاولة لتصفية أي تواجد أو تأثير دولي على المشهد السياسي والأمني والإنساني، سيما وأن المعادلة السياسية الحاكمة ما تزال تختزن لممثلة الأمين العام للأمم المتحدة جينين بلاسخارت، إحاطات قدمتها لمجلس الأمن الدولي عن التعثر الديموقراطي واستشراء الفساد وتغول سلاح الميليشيات ومديات النفوذ الإيراني وقتل المتظاهرين خلال انتفاضة أكتوبر 2019، وتصريحها اللافت بأن "النظام السياسي في العراق غير قابل للاستمرار". لذا فموضوع المراقبة السياسية الذي تضطلع به البعثة أصبح يشكل خطراً للقوى المتحكمة بالقرار والنفوذ والأموال، ما ساهم بالضغط لجعل الإنهاء أمراً ملحاً وأحد أهم الأهداف لغرض التفرد وعزل العراق، في محاولة منهم لتقليص الذرائع التي كانت تستخدم لتدويل بعض الملفات الداخلية.

رغم أن الحكومة العراقية عدت إنهاء عمل البعثة استعادة للسيادة الوطنية وتعزيزاً للاستقرار السياسي، إلا أن الواقع لا يشير إلى أي منجز، سواء للحكومة أو للبعثة؛ فعلى المستوى السياسي لا تزال هناك أزمة تؤشر  إلى تعثر ديموقراطي وتراجع بالثقة بالنظام وتقليص مساحة المشاركة السياسية وسيطرة شبه كاملة للميليشيات على القرار، مع مطاردة غير مسبوقة لحرية التعبير وأصحاب الرأي وتراجع قدرة مؤسسات الدولة على غلق ملف النزوح الداخلي وتقليل آثاره والعجز عن تقديم ووصول المساعدات الإنسانية وتراجعاً للنظام البيئي، وحتى على مستوى الملفات الخارجية التي كانت اليونامي تقدم فيها الاستشارة، فالهيمنة الإيرانية تبدو الأقوى وأصبحت واقعاً منظوراً أمام البعثة التي عجزت عن كشفها واكتفت بزيارات لطهران من أجل تخفيف الضغط الذي تمارسه على الساحة العراقية، بل إن السنة الأخيرة من عمر البعثة، كانت عبارة عن منح شرعية لهذا النفوذ وحلفائه، رغم تحول الجغرافيا العراقية إلى ساحة اشتباك والمؤشرات تؤكد أن إيران ليست بصدد خسارة العراق بعد سقوط مشروعها في المنطقة.

لم يجد استنتاج فولكر بيرث رئيس مراجعة استراتيجية بعثة اليونامي في العام 2023 "بوجود تهديدات تواجه السلام والأمن في العراق وأهمية استمرار عمل البعثة"، صدى واسعاً، ولم تؤخذ بنظر الاعتبار التحديات التي يعيشها العراق في ظل وضع داخلي وإقليمي معقد، فكانت الاستجابة لطلب إنهاء عمل البعثة تمثل خيبة أمل من الشعب العراقي من غطاء دولي كان مثالاً لبيروقراطية تقليدية لم تعد قادرة على التكييف مع الصراع الداخلي، في وقت كان المفترض أن تكون أقرب له من قوى السلطة، وأصبح ينظر لها كونها تمنح صكوك الغفران والشرعية لقوى الأمر الواقع المسلحة، حتى تم اتهامها بأنها تحولت كـ "شاهد زور "على ما يجري.

غادرت البعثة والعراق ما يزال دولة هشة وتلك هي الخيبة…