شرق أوسط "أكثر أميركية"... "عقيدة ترامب" تهدم النظام العالمي

كتاب النهار 17-12-2025 | 04:12
شرق أوسط "أكثر أميركية"... "عقيدة ترامب" تهدم النظام العالمي
قبل أيام صدرت "إستراتيجية الأمن القومي الأميركي" أو "وثيقة ترامب"، وتهدف الى بقاء أميركا مهيمنة على العالم، بمعنى الدولة الأقوى والأغنى والأكثر تفوقاً، مع التركيز على الداخل... فماذا إذن عن الشرق الأوسط؟
شرق أوسط "أكثر أميركية"... "عقيدة ترامب" تهدم النظام العالمي
لا تعتبر "استراتيجية ترامب" الشرق الأوسط أولوية. (أ ف ب)
Smaller Bigger

قبل أيام صدرت "استراتيجية الأمن القومي الأميركي" أو "وثيقة ترامب"، وتهدف إلى بقاء أميركا مهيمنة على العالم، بمعنى الدولة الأقوى والأغنى والأكثر تفوقاً، مع التركيز على الداخل. المفارقة أن الكاتب توماس فريدمان اعتبر أن "الوثيقة" تظهر أن إدارة ترامب اعتلت الحكم لتخوض الحرب الأهلية الأميركية الثالثة، لا الحرب الباردة الجديدة... فماذا إذن عن الشرق الأوسط؟

تكشف استراتيجية الأمن القومي لأي دولة عن النهج الذي تتبعه لتحقيق مصالحها الوطنية والتعامل مع مصادر التهديدات. هدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب المفاهيم التقليدية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، والتي تتمحور حول حماية "النظام العالمي" وضبط توازناته، ونشر القيم الغربية، كالعولمة والليبرالية والديموقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير، إلخ...

وبينما يزيح ترامب النسخة القديمة من أسس السياسة الخارجية، لا تتجلى ملامح قاطعة لما يريد أن يبنيه بدلاً منها. يوضح الكاتب الأميركي إدوارد وونغ أن السياسة الخارجية تمر بتحول هائل على يد ترامب، ينسف التوازنات القائمة، ويستند إلى فكرة تقاسم النفوذ الجيوسياسي بين القوى العظمى الثلاث: أميركا وروسيا والصين، بحيث تفرض كل واحدة منها نفوذها على مجالها الحيوي أو عمقها الاستراتيجي أو حديقتها الخلفية.

انصب اهتمام ترامب في "الوثيقة" على الداخل الأميركي بصراعاته السياسية والعرقية، بينما يحاول أن يغتنم الأزمات المعقدة خارجياً، للتخلص من أعبائها المالية، بمنطق براغماتي محض، بحيث تتحول مناطق الصراعات إلى فرص استثمارية، ويطالب الحلفاء بالإنفاق ببذخ للحصول على المساندة أو الدعم، وإلا فاتهم قطار الحماية الأميركية.

تستحوذ الهيمنة على أميركا اللاتينية على صدارة أولويات إدارة ترامب، في تحوّل عن التركيز على آسيا ومواجهة صعود الصين، مع تراجع الاهتمام بأوروبا والشرق الأوسط.

لا تعتبر "استراتيجية ترامب" الشرق الأوسط أولوية. لا يهم استقرارها إلا بقدر ما يؤثر في مصالح أميركا. ليست "منطقة خطر" بل "منصة استثمار"، تحتاج إلى من يملك الجرأة، لعقد صفقات واعدة ذات نتائج سريعة، وبالتالي تسعى واشنطن إلى منع القوى المنافسة من الاستقرار بالمنطقة أو قطف ثمارها. تقول الوثيقة: "نريد منع أية قوة معادية من الهيمنة على الشرق الأوسط وإمداداته من النفط والغاز ونقاط الاختناق التي تمر منها، مع تجنب الحروب الأبدية التي أوقعتنا في المنطقة بتكلفة باهظة". فالقضية الفلسطينية تتحول من "ضرورة استراتيجية" إلى "هامش إنساني".

تقوم سياسة واشنطن الشرق أوسطية على الحفاظ على نفوذها في المنطقة لكن بثمن زهيد، عبر وكلاء إقليميين ونفوذ اقتصادي وتطبيق انتقائي للقوة العسكرية. لن تغادر الإمبراطورية الأميركية الإقليم، لكن ثقلها فيه يعاني تراجعاً، بينما يتزايد الحضور الصيني، من دون أن يكون بوسعه أن يطغى على أدوارها، ولا بوسع روسيا الطموح لاكتساب أوزان إضافية بالنظر إلى أوضاعها، ولا الاتحاد الأوروبي يستطيع أن يطرح نفسه بديلاً من أميركا بالشرق الأوسط.

نلمس من "الوثيقة" أنها ترى المنطقة ساحة لفراغ استراتيجي، تحاول شغله بكل الوسائل. تسعى واشنطن الى حصد ثمار الشرق الأوسط، من دون أن تقدم التزاماً مكلفاً لقاء ذلك. ومن ثمّ تفتح أبواباً أوسع لإسرائيل الطامحة للعب دور "شرطي المنطقة"، بتحالف أكبر مع الناتو، بحركة أوسع لتمديد الاعتراف بها من دول عربية جديدة، ودمجها في النظام الإقليمي، بغض النظر عن مصير القضية الفلسطينية. هذا الخط الاستراتيجي سوف يأخذ مداه، بهدف تطويع العالم العربي لمقتضيات القيادة الإسرائيلية، من دون أية تسوية للقضية الفلسطينية. تطبيع مجاني وسلام بلا أرض، مع دفع النظام الإيراني إلى الحافة.

يصعب التفاؤل بالسياسات الأميركية. دأبت على وضع الشرق الأوسط على صفيح ساخن من أجل أهدافها، عبر التهديد بالعدوان، إلى الاحتلال المباشر أو الضمني، بنشر القواعد العسكرية أو بالحصار الاقتصادي والضغوط المتصاعدة لخنق الدول وتمزيقها. يريد ترامب الشرق الأوسط أكثر قسوة واستبداداً، إنما أكثر هدوءاً وغنائم. تبين الصورة الأوسع أن دولاً تحاصر البلدان العربية، بالتحالف مع أميركا. تزعزع استقرارها وأمنها القومي والاقتصادي، كما تفعل إسرائيل في فلسطين وسوريا ولبنان، وإثيوبيا في تفرّدها ببناء السدود وتمزيق السودان والطمع بأراضي جيرانها وثرواتهم. تلك مقدمات تومئ بأوضاع استراتيجية جديدة.

تمر المنطقة العربية بحالة من التوتر. تتقافز أشباح الخطر على امتداد الجغرافيا السياسية. صفيح ساخن يفيض بأزمات، قد يصحبها قرع طبول الحروب. لا أحد يعلم كيف تتطور، ومن يكون وقودها. الإقليم كله في وضع تأهب، ترقّباً لما قد تجره السياسات الأميركية من تبعات أو تقدمه من فرص. القضية الأساسية أن العالم العربي يتطلع لأن ينهض مجدداً من تحت الركام، بينما يحوطه تهديد وجودي، بإيماءة أميركية للحليف الإسرائيلي أو الإثيوبي أو غيرهما، من دون أن نغفل أن اتصالات تجري بين أطراف إقليمية متنازعة، لاكتشاف مواضع الأقدام فوق هذه الأرض المتحركة، ومحاولات لخفض مستوى الصراعات البينية بالإقليم، خشية أن تندلع حمم النار من براكين تبدو خامدة، بينما تغلي في الأعماق!