لا يملك المنجل أن يختطف الحصاد

كتاب النهار 17-12-2025 | 04:13
لا يملك المنجل أن يختطف الحصاد
الحصاد الحقيقي هو دولة مدنية ديموقراطية، يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، ويُعاد فيها بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية لا ريعية، وتُسترد فيها السياسة من أيدي الميليشيات والأجهزة إلى أيدي المجتمع الحرّ. دون ذلك، تبقى قضية الثورة مفتوحة.
لا يملك المنجل أن يختطف الحصاد
لمن يكون الحقل؟ ولمن يكون الحصاد؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا يملك للحصاد أن يدّعي ملكية الحقول، ولا تملك البندقية أن تنسب لنفسها معنى الثورة. الأدوات تُستعار، أمّا الأرض والزرع والدم والوجع، فهي ملكٌ لأصحابها.

بدأت معركة السوريين من أجل الحرية والديموقراطية والمدنية يوم صعد أبطال السادس من أيار/ مايو خشبة المشانق العثمانية في دمشق وبيروت، وحين تحالف رجال سوريا ونساؤها لصوغ عقدٍ وطني تعدّدي في مواجهة الاحتلال الفرنسي، وحين وقف الشعب، مرة بعد أخرى، بوجه العدوان الإسرائيلي.

بهذه المعادلة يمكن أن نقرأ تاريخ الجمهوريات العربية منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية البائد؛ فحين صعد إلى السلطة أمراءُ حربٍ يرتدون عباءة الثورة والعقيدة، وراحوا يحكمون باسم "الاشتراكية" أو "القومية" أو "الإسلام الثوري"، أدخلوا البلاد في عصر متكامل من الاستبداد الدموي والهيمنة الميليشيوية.

منذ ذلك الوقت، صار تداول السلطة يجري بين "ثوريين" عقائديين، من قوميين إلى ماركسيين إلى أنصار الإسلام السياسي، ليعبروا فوق جسر من الخراب وبحار من الدماء. وتكون شرعيتهم شرعية الأسطورة الثورية القومية أو الدينية، وحكمهم بالقمع وتدمير نسيج المجتمع والمدنية.

تحوّلت دول عربية عدّة – من سوريا إلى لبنان والعراق واليمن والسودان وليبيا وغيرها – إلى نماذج للجمهوريات الميليشيوية، وانقطعت عن مسار التحديث، وأصبحت حاضنة لفشلٍ مزمن، واقتصاد ريعي طفيلي، وبرجوازية بيروقراطية تعيش على الفساد والاحتكار، لا على الإنتاج والعمل.

بهذا المعنى، تثبت التجربة المباشرة لشعوبنا حقيقة أن كل نظام عقائديّ مغلق هو فاسد بالتعريف، مستبدّ بالضرورة، وفاشل بحكم الواقع.

فحين تَعلو راية العقيدة على راية الإنسان، يغدو المجتمع مجرّد مادّة خام بيد السلطة، ويُختزل الوطن إلى ثكنة، والمدينة إلى معسكر، والمواطن إلى رقم في سجلات الأمن أو المخابرات.

حين اندلعت الثورة السورية، لم تنفجر فقط بوجه سلطة "البعث" بوصفه حزباً حاكماً، بل ثارت على النموذج كله: على "الثوريين العقائديين" وأمراء الحرب، وعلى كل سلطة تزعم احتكار الحقيقة وتواجه حرية الفكر والديموقراطية بالعنف والتخوين والسجون. كانت الثورة في جوهرها إعلاناً عن نهاية شرعية المنجل والبندقية في تقرير مصير الحصاد السوري.

لم تبدأ الثورة السورية في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ولم تنتهِ في الثامن من كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، وفق ما يطيب للبعض أن يدعوا؛ وكأن التاريخ يُختَزَل في مواعيد التفاوض أو الانقلابات داخل الغرف المغلقة!

ولم تبدأ الثورة السورية حتى في 15 آذار/مارس 2011، يوم خرجت التظاهرات الأولى في درعا ودمشق وحمص. إنها أقدم من ذلك بكثير. لقد تجلّت الثورة عندما شلّت إضرابات تجار دمشق وحلب أرجاء البلاد في ستينيات القرن الماضي دفاعاً عن حرية السوق والمبادرة الفردية، وعندما واجه مناضلو "إعلان دمشق" السلطة بصدورهم العارية، فكانوا العين في مواجهة المخرز، يشيرون إلى طريق سورية مختلفة: طريق دولة مدنية ديموقراطية متصالحة مع نفسها.

لهذا كلّه، ليست هذه الثورة، ولن تكون، ملكاً لأمراء الحرب، بل هي ملكٌ لنزار قباني، ومحمد الماغوط، ورياض الترك، ومشعل تمّو، وعبد العزيز الخيّر ورجا ناصر وسواهم من المناضلين.

إنها ملك لكلّ مناضل سوري توارى في حواري دمشق وحلب وحمص وجبلة وسواها، وقطع الليالي على الدروب الوعرة في ريف حماة وإدلب وعفرين وجبل العرب وجبال العلويين والجزيرة السورية، ولكل من قضى في أقبية التعذيب والإبادة البعثية-الأسدية. ملك لأُسرٍ كاملة دُمّرت بيوتُها، لأنها قالت "لا" بوجه سلطة المخابرات، ولبسطاء حَموا جيرانهم من البطش والانتقام الطائفي، ورفضوا أن يتحولوا إلى مخبرين أو بيادق في لعبة القمع.

وهي أيضاً ملكٌ لكلّ رجل دين متنوّر، من شيخنا الراحل جودت سعيد إلى الدكتور محمد شحرور، مروراً برتلٍ طويل من أعلام التنوير والتحضّر الإسلامي، سعوا ووجدوا في الإيمان طريقاً للحرية والكرامة. ملك لكلّ موظف سوري بسيط حاول حماية الناس من عسف السلطة، ولكلّ رجل دولة آمن بأن الوظيفة العمومية خدمة لا غنيمة، فعمل بصمت على تفكيك دعائم الاستبداد من داخل المؤسسات حتى صارت السلطة كياناً مجوّفاً بلا جذور.

وحين ذُبح السوريون على يد مقصلة الإرهاب الداعشي وسائر تنظيمات الجهاد المتوحش، لم يتردد الوطنيون السوريون في تكفير هذا الإرهاب بالفعل لا بالشعارات، وقدّموا تضحيات هائلة في قتال "دولة الخلافة" ومشتقاتها. كثير من هؤلاء قاتلوا على جبهتين في آن واحد: جبهة الاستبداد وجبهة التوحش الديني، كي لا تذوب الهوية السورية في عقائد طارئة متعطشة للدم.

منذ انتفاضة آذار 2011 تواطأ نظام الأسد، ومعه الشرق والغرب، على تفريغ الثورة من مضمونها، وتحويلها إلى مذبحة لا تكتفي بالقتل والتدمير، بل تقطع جذور النسيج الوطني السوري وتعيد هندسته على مقاس القوى المتحاربة. استمر النزيف حتى غدت سوريا مرتعاً لأمراء حرب من كل أصقاع العالم، ومسرحاً لتجريب الأسلحة والعقائد والتحالفات.

ثم جاءت التحولات الدولية الكبرى، من الحرب الأوكرانية إلى تصاعد المواجهة الإقليمية بعد السابع من أكتوبر، مروراً باهتزاز التفاهمات مع روسيا وتوتر العلاقة بين إيران والغرب، لتُسرّع عملية إعادة ترتيب "الملف السوري" على طاولة القوى الإقليمية والدولية.

عندئذ، اصطف المندوبون السامون الجدد، من عواصم غربية وإقليمية، ليرسموا خرائط "الانتقال" في سوريا، كما فعل لورنس العرب! تقاطر الوسطاء والموفدون، من سياسيين غربيين إلى جنرالات وديبلوماسيين أتراك وإقليميين، لإدارة الانهيار في الأسابيع الأخيرة من عمر العائلة الحاكمة، وللإشراف على توزيع مناطق النفوذ والوصاية على بلدٍ أنهكته الحروب.

هكذا أصبحت سوريا، تدريجياً، تحت وصاية إقليمية-دولية متشابكة، وفضاءً مفتوحاً للصراع المستقبلي بين القوى الكبرى؛ فحُيِّدت إيران، وشلت سلسلة الأوامر في الجيش، وكان النصر الكبير.

والآن، بعد السقوط المدوي للأسد، تقف سوريا أمام تحد وجودي أعمق وأفدح، مع دورة جديدة من الوصاية والسلاح والتفكك.

لم تبدأ الثورة السورية في منتصف نوفمبر 2024، ولم تنتهِ في الثامن من كانون الأول من ذات العام، إذ لا يملك المنجل أن يختطف الحصاد. والحصاد الحقيقي هو دولة مدنية ديموقراطية، يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، ويُعاد فيها بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية لا ريعية، وتُسترد فيها السياسة من أيدي الميليشيات والأجهزة إلى أيدي المجتمع الحرّ. دون ذلك، تبقى قضية الثورة مفتوحة.

فلمن يكون الحقل؟ ولمن يكون الحصاد؟