تونس والسياحة العربية

كتاب النهار 17-12-2025 | 04:11
تونس والسياحة العربية
جهود الإعداد لتونس كعاصمة عربية للسياحة قد يكون منطلقاً لمشاريع شراكة واستثمار من أجل تجسيم رؤية أخرى للسياحة غير تلك التي أقصت الكثيرين إلى حد الآن، وحرمت البلاد من موارد هي بأمسّ الحاجة إليها.
تونس والسياحة العربية
تونس الخضراء (أ ف ب)
Smaller Bigger

اختيرت تونس، الأسبوع الماضي، عاصمة للسياحة العربية لسنة 2027، في وقت يسجل فيه القطاع السياحي في تونس مؤشرات إيجابية، من أهمها تجاوز عدد السياح العام الماضي، ولأول مرة، عتبة العشرة ملايين سائح.

لكنه بالرغم من هذه الأرقام القياسية (بالمعايير التونسية)، لا يزال عدد السياح العرب من خارج المنطقة المغاربية محدوداً، وإن تحسّن قليلاً خلال السنة الماضية. تقول الأرقام الرسمية لسنة 2024 إن عدد السياح من منطقة الخليج والشرق الأوسط لم يتجاوز الـ 57 ألف سائح، من بينهم نحو 12 ألف سائح سعودي، و8 آلاف سائح عراقي.

يأتي مواطنو الجارتين الجزائر وليبيا في طليعة زوار تونس. ومن بين هؤلاء أكثر من 3 ملايين و500 ألف سائح جزائري، ومليونان و100 ألف سائح ليبي، أي ما يمثل نحو 55 في المئة من كل السياح الأجانب.

يفضل الكثير من السياح الليبيين والجزائريين الإقامة في الشقق، والضغط على المصاريف أثناء زيارات، هي أساساً عائلية، وتجمع ما بين العلاج والتسوق والاستجمام.

أما السياح الأوروبيون، وفي طليعتهم الفرنسيون، فيمثلون ثلث زوار تونس، ومصدر ثلثي إيرادات القطاع السياحي. يجذب هؤلاء نموذج ينبني على الرحلات الجماعية ذات التعرفة المنخفضة، بما يشمل النقل والإقامة في الفنادق.

ارتفع عدد السياح لكن إيرادات السياحة بقيت منخفضة. تظهر إحصائيات منظمة السياحة العالمية لسنة 2024 أن مستوى إنفاق السياح في تونس أقل بكثير من مستواه في معظم الدول العربية الأخرى. فإنفاق هؤلاء خلال إقامتهم في تونس لا يتجاوز في المعدل 275 دولاراً فيما يبلغ أكثر من 4 آلاف دولار في لبنان، و 1370 دولاراً في السعودية، و 1300 دولار في الأردن، و 970 دولاراً في مصر، و 650 دولاراً في المغرب.

نتيجة لذلك، يبقى إجمالي إيرادات تونس من العملة الصعبة متواضعاً. بلغ سنة 2024 ما يقرب من 2.3 مليار دولار، وهو مستوى بعيد عما تحققه بقية الدول العربية المهتمة بالسياحة.

من المفترض أن يشكل اختيار تونس عاصمة للسياحة العربية دافعاً كي تلتفت البلاد بجدية إلى السوق السياحية العربية، ولا سيما الخليجية، وإن كان ذلك يعني بالضرورة تطوير منوالها السياحي.

لا ضرورة للتدليل عمّا قد يعنيه الفوز بقسط من السياحة الخليجية على وجه التحديد. تقول بعض الدراسات إن قيمة الإنفاق الخليجي على الأسفار والسياحة نحو الخارج بلغت سنة 2024 نحو 76 مليار دولار.

هل من الممكن أن تجذب تونس السياح العرب والخليجيين؟ وهل بإمكانها أن تجذب السياح من كل البلدان من ذوي القدرة الكبيرة على الإنفاق؟ نعم، ولكن ليس على أساس السياحة الشاطئية المنخفضة الكلفة والمستوى المتوسط للخدمات السائدة حالياً.

هناك حاجة لتوفير ظروف استقبال ونقل وإقامة ذات جودة تتلاءم ومتطلبات الشريحة ذات الدخل المرتفع من السياح، سواء أكانوا عرباً أم أجانب.

تحتاج البلاد أيضاً إلى رفد سياساتها الترويجية بمزيد من تطوير وسائل الاتصال والترويج الرقمية، والاهتمام بالمؤثرين النشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.

يعني ذلك أيضاً ملاءمة أذواق الأجيال الصاعدة وما تنشده في السياحة من مغامرة واكتشافات خارج الفنادق. وقد يعني ذلك قبل كلّ شيء أن يعيد التونسيون اكتشاف مخزون بلادهم الحضاري والثقافي والبيئي الزاخر، فيعيدوا تهيئة متاحفها ومعالمها.

كل ذلك يتطلب بالطبع موارد مالية وإمكانات كبيرة. ولكن جهود الإعداد لتونس عاصمة عربية للسياحة قد يكون منطلقاً لمشاريع شراكة واستثمار من أجل تجسيم رؤية أخرى للسياحة غير تلك التي أقصت الكثيرين إلى حد الآن، وحرمت البلاد من موارد هي بأمسّ الحاجة إليها.