قيصر لم يعد قانوناً وأصبح سيفاً

كتاب النهار 16-12-2025 | 04:40
قيصر لم يعد قانوناً وأصبح سيفاً
إلغاء قانون قيصر لا يعني نهاية العقاب، ولا بداية التعافي، ولا عودة الحياة إلى طبيعتها. هو لحظة انتقالية في لعبة دولية أكبر، قد تحمل فرصاً محدودة، لكنها تحمل أيضاً مخاطر إعادة إنتاج الأزمة بصيغة أكثر تعقيداً.
قيصر لم يعد قانوناً وأصبح سيفاً
التفاؤل الشعبي السوري مفهوم إنسانياً لكنه هشّ سياسياً. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا يزال الجدال محتدماً داخل سوريا وخارجها بشأن القرار الأميركي المتعلق بإلغاء قانون “قيصر”، بين من رأى في الخطوة بداية انفراج طال انتظاره، ومن تعامل معها باعتبارها مناورة سياسية لا أكثر؛ فالتجربة السياسية تقول إن القرارات الكبرى لا تُقاس بصياغاتها القانونية وحدها، بل بسياقها، وتوقيتها، وما يرافقها من شروط غير مكتوبة. وفي حالة قيصر، يبدو أن ما جرى أقرب إلى إعادة تموضع للأداة منه إلى التخلي عنها. تراجعت موجة التفاؤل الأولى شيئاً فشيئاً، وبدأت الأسئلة الأصعب تفرض نفسها: ماذا أُلغي فعلياً؟ ومن ربح؟ ومن سيحدد حدود الحركة في سوريا ما بعد قيصر؟

منذ اللحظة الأولى، انقسم الرأي بين من رأى في القرار انفراجاً طال انتظاره، ومن قرأه باعتباره صفقة سياسية جديدة تُدار فوق الرؤوس. وبعد أيام من المتابعة، تزداد كفة القراءة الثانية ثقلاً.

القرار لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع. فالولايات المتحدة لا تتحرك بدافع "رفع المعاناة" وحده، بل ضمن إعادة ترتيب ملفات المنطقة. التوقيت ليس تفصيلاً. القرار جاء بعد حرب غزة وتداعياتها الإقليمية، في لحظة إعادة ترتيب النفوذ في المشرق، ومع تصاعد الحديث عن احتواء النفوذ الإيراني لا مواجهته المباشرة، وتحت ضغط ملف اللاجئين الذي بات عبئاً على دول الجوار وأوروبا.

في هذا السياق، لم تعد سوريا ملفاً معزولاً، بل جزء من مقايضة إقليمية أوسع، تُدار فيها الملفات بمرونة تكتيكية لا بتغييرات جذرية.

من هذه الزاوية، يبدو أن واشنطن لا تمنح النظام السوري “نصراً”، بل تُدخله في مسار مشروط، عنوانه تخفيف في مقابل ضبط. ضبط العلاقة مع إيران، ضبط نشاط الميليشيات، ضبط الحدود، وضبط أي دور قد يخرج عن التفاهمات الكبرى.

وهذا ما يجعل كثيرين يرون أن قانون قيصر لم يُلغَ فعلياً، بل جرى تحويله من عقوبة مطلقة إلى أداة تفاوض مرنة، تُستخدم متى شاءت القوى الكبرى، وتُعلّق متى اقتضت مصالحها.

ما ينبغي قوله بوضوح إن قانون قيصر، حتى في ذروة تطبيقه، لم يكن العقوبة الوحيدة المفروضة على سوريا. هو كان الإطار الأشهر والأكثر صراحة، لكنه لم يكن الوحيد. فشبكة العقوبات الأميركية والأوروبية أوسع بكثير، وتشمل أفراداً، ومؤسسات، وقطاعات مصرفية، ونُظم تحويل، وضوابط رقابة مالية تجعل أي تدفق أموال أو استثمارات مرهوناً بموافقات سياسية وأمنية دقيقة. بمعنى أدق، قد يُرفع اسم "قيصر"، لكن منطق "القيصر" لم يُرفع.

الولايات المتحدة لا تزال تمتلك مفاتيح التحكم بالنظام المالي العالمي، ولا تزال قادرة على تعطيل أي استثمار جدي عبر أدوات بديلة: من قوانين مكافحة غسل الأموال، إلى لوائح تمويل الإرهاب، إلى الضغط غير المباشر على البنوك والشركات الدولية. وبالتالي، فإن الحديث عن "تحرر اقتصادي" للنظام السوري يبدو أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع.

ما تغيّر هو الشكل القانوني، لا موقع سوريا في خريطة العقاب الدولي. كأن واشنطن قررت أن تخرج من عباءة "العقوبة الشاملة" إلى سياسة "الضبط المشروط"، حيث يبقى السيف مرفوعاً، لكن من دون ضربة مباشرة.

إذن المفارقة الأهم أن رفع قانون قيصر قد يتحول، عملياً، إلى قيد جديد لا إلى مساحة حرية.

حين كانت العقوبات شاملة وقاسية، كان النظام يتحرك داخل منطقة "العزلة الكاملة"، معتمداً على شبكات تهريب، وتحالفات محدودة، واقتصاد ظلّ غير شفاف. أما اليوم، فإن أي انفتاح حتى لو كان محدوداً سيضعه تحت مجهر رقابي أكبر، أين تذهب الأموال؟ من يستفيد؟ ما طبيعة العقود؟ ومن الشركاء؟

أما التفاؤل الشعبي السوري، فهو مفهوم إنسانياً، لكنه هشّ سياسياً. فالسوري الذي ينتظر تحسن سعر الصرف، أو انخفاض الأسعار، أو عودة فرص العمل، قد يُصاب بخيبة أمل سريعة. لأن الاقتصاد لا ينهض بقرار سياسي واحد، بل يحتاج إلى استقرار أمني، وإصلاح مؤسسي، وثقة قانونية، وهي عناصر لا تزال غائبة أو منقوصة.

ثم أن المستثمر، سواء كان عربياً أو أجنبياً، لا يسأل فقط: "هل رُفعت العقوبات؟"، بل يسأل: هل هناك قضاء مستقل؟ هل هناك ضمانات ملكية؟ هل يمكن تحويل الأرباح؟ هل الصراع انتهى فعلاً؟ وحتى الآن، الإجابات لا تزال مُربكة.

في المقابل، لا يمكن إنكار أن القرار يفتح نافذة، ولو ضيقة، لخيارات جديدة، خصوصاً إذا استُثمر في اتجاه تخفيف المعاناة الإنسانية، وعودة تدريجية للاجئين، وإطلاق مسار سياسي حقيقي. لكن هذا الاحتمال يبقى مشروطاً بإرادة سياسية داخلية، لا بقرار خارجي وحده.

إلغاء قانون قيصر لا يعني نهاية العقاب، ولا بداية التعافي، ولا عودة الحياة إلى طبيعتها. هو لحظة انتقالية في لعبة دولية أكبر، قد تحمل فرصاً محدودة، لكنها تحمل أيضاً مخاطر إعادة إنتاج الأزمة بصيغة أكثر تعقيداً.

والتفاؤل، إن لم يُدعّم بوقائع وإصلاحات حقيقية، قد يتحول من طاقة أمل إلى عبء خيبة جديدة.

بين الوهم والواقع، تبقى سوريا في المنطقة الرمادية نفسها، تنتظر أكثر من قرار، تنتظر تغييراً في القواعد ذاتها، لا في أسمائها فقط.

سيظل قيصر حاضراً، لا كقانون، بل كسيف. مُعلّق فوق الرؤوس، يذكّرهم بأن اللعبة لم تنتهِ بعد.