لماذا تحتاج منظومة التعليم المهني الجزائرية إلى التحديث؟

كتاب النهار 16-12-2025 | 04:30
لماذا تحتاج منظومة التعليم المهني الجزائرية إلى التحديث؟
 اهتمام أجهزة الدولة الجزائرية بقطاع التكوين والتعليم المهنيين يعكس انتباه المسؤولين الجزائريين إلى حاجة البلاد الملحّة إلى إحداث تغييرات جذرية في تخصص ما يدعى بــ"الصنائع"، التي تعتبر الشرط الضروري الحاسم لتحقيق التنمية الحديثة في المجتمع.
لماذا تحتاج منظومة التعليم المهني الجزائرية إلى التحديث؟
المطلوب إشراك الخبراء وإطارات التعليم والمتخصصين من أجل وضع خريطة طريق لتعليم مهني متطور.
Smaller Bigger

خلال الأيام القليلة الماضية، أعلنت السلطات الجزائرية، المتمثلة في وزارتي التكوين والتعليم المهنيين ووزارة التربية الوطنية، عن تأجيل تنفيذ مشروع "البكالوريا المهنية" بمختلف فروعها. ولقد بررت هذا الإجراء بضرورة استكمال التحضيرات المادية والتقنية والبيداغوجية أولاً. ويبدو من الأخبار التي نقلتها بعض وسائل الإعلام الوطنية أن هذا المشروع سوف يتم تجريبه عبر 13 محافظة جزائرية، وعلى مستوى 14 ثانوية، ذات طابع مهني فقط، ثمَ يعمّم على بقية المحافظات حين تكتمل جميع الشروط.

في الواقع، فإن اهتمام أجهزة الدولة الجزائرية بقطاع التكوين والتعليم المهنيين يعكس انتباه المسؤولين الجزائريين، على مستوى الحكومة ومؤسساتها، إلى حاجة البلاد الملحة إلى إحداث تغييرات جذرية في تخصص ما يدعى بــ" الصنائع "، التي تعتبر الشرط الضروري الحاسم لتحقيق التنمية الحديثة في المجتمع.

في هذا الخصوص، يقترح عدد من خبراء التعليم والتكوين المهنيين في الجزائر فتح النقاش الواسع حول عدد من المسائل الأساسية حتى لا تتكرّر الأخطاء التي ارتكبت سابقاً، خاصة في فترة ثمانينيات القرن الماضي، على مستوى تخصصات "المدرسة الأساسية "؛ الأمر الذي أدّى حينذاك إلى نتائج سلبية أرجعها خبراء التعليم العصري إلى عدم إعداد الإطارات البيداغوجية التنفيذية المتخصصة والأجهزة التقنية الكافية أولاً.

ونظراً إلى أهميّة تخصّص التكوين والتعليم المهنيين، فإن المطلوب إذن هو إشراك الخبراء وإطارات التعليم والمتخصصين من أجل وضع خريطة طريق لتعليم مهني متطوّر قادر على إنجاز العمران الحضري في الحياة الجزائرية.

وفي هذا الخصوص، هناك من يلحّ على ضرورة تجاوز الذهنية القديمة التي تنظر إلى هذا القطاع الحيوي كمجرد تخصص ثانويّ بدلاً من اعتباره عصب التنمية. ولتوضيح هذه المسألة ينبغي أن يتجاوز المسؤولون على قطاع التربية والتعليم بكامله العادة النمطية المتمثلة في توجيه الطلاب الضعفاء في تحصيلهم الدراسي إلى تخصص التكوين المهني.

كما هناك من يقترح على وزارتي التكوين المهني والتربية الوطنية، ولو تدريجاً، ووفق مخطط واضح، عدم حصر هذا النوع من التعليم المهني في المجالات التقليدية، مثل الفلاحة والبناء والخياطة والنجارة والحياكة والصناعات التحويلية والإلكترونيات والميكانيك فقط، بل إنه من الضروري الانفتاح أيضاً على التخصصات الأخرى مثل مجالات التوليد، والمعمار، والطب، والكتابة، والغناء، وعلم النباتات وهلم جرا.

وفي الحقيقة، فإن المجالات التقليدية المذكورة آنفاً، منها البناء وتخطيط المدن والقرى مثلاً، تشكو من الضعف، إذ يلاحظ المتخصص استمرار فوضى المعمار، خصوصاً في الأرياف والمدن الصغيرة جراء عدم ضبط الدولة خريطة كاملة متمثلة في تعميم "النموذج المعماري الموحد" ذي الخصوصية الوطنية على مستوى البلاد. فضلاً عن ذلك، فإن عمليات التنفيذ الميداني تتمّ - في أغلب الأحيان - على أيدي بنّائين لم يحصلوا على تكوين عصريّ مؤسس على شرط العلم وفن المعمار؛ وجراء ذلك صار الفضاء المعماري بلا جماليات موحّدة أيضاً.

إنه بسبب ذلك، تحوّلت المدن الصغيرة في الفضاء الجزائري إلى موزاييك متناقض لسلسلة من التجمعات السكانية المشتتة، في الوقت الذي كان ينبغي أن يكون المعمار حضرياً ذا بنية منسّقة تقوم على أسس صحيحة. وفي هذا السياق، تحضرني عبارة مهمة للعلامة ابن خلدون، الذي ربط منذ عدة قرون بين المعمار ومعنى الإنسانية، وأكد "أن هذه الصناعة أول صنائع العمران الحضري، وأقدمها، وهي معرفة العمل في اتخاذ البيوت والمنازل للسكن والمأوى للأبدان في المدن".