رؤية إدارة ترامب الثانية للدور العالمي للولايات المتحدة ليست رؤية إدارة ترامب الأولى. (أ ف ب)
تستحق وثيقة الإستراتيجية العالمية الجديدة للولايات المتحدة التي صدرت أخيراً قراءة دقيقة رغم أن الرئيس دونالد ترامب، بشخصيته ومزاجه وارتجاليته، بات هو العقيدة لمفهوم الأمن القومي كأمر واقع. رؤية إدارة ترامب الثانية للدور العالمي للولايات المتحدة ليست رؤية إدارة ترامب الأولى. ما ورد في إستراتيجية 2025 أغضب الحلفاء التقليديين ودفع الأصدقاء الجدد إلى اعتماد تنوّع العلاقات بدلاً من الاعتماد الكامل على الشريك الأميركي. المفيد في إصدار وثيقة العقيدة الأميركية في عهد دونالد ترامب هو وضوح التوجهات بلا اعتذار، وإبراز القوة الأميركية عالمياً ليس بتوسيع الدور القيادي الأميركي وإنما بتقليص هذا الدور والامتناع عن إدارة النظام العالمي، كما كان الأمر عليه في الماضي. هذا تحوّل جوهري في رؤية واشنطن لدورها العالمي وتعريفها للمصلحة القومية الأميركية، ومن المفيد التعمق فيه. عنوان "أميركا أولاً" و"لنجعل أميركا عظيمة" مجدداً فصّلته الإستراتيجية العالمية من منطلق حماية السيادة الأميركية وعدم الانخراط في التزامات دولية لا تخدم واشنطن مباشرة. تعزيز الداخل، اقتصادياً وتكنولوجياً وأمنياً، له الأولوية. تنص الاستراتيجية على الابتعاد عن الانتشار العسكري الأميركي الواسع والتحوّل إلى ما يسمى الردع الذكي والتحديث الدفاعي مع خفض الالتزامات العسكرية التقليدية خارج القارة الأميركية. لا تبالي أميركا بما يسمى "القطب الواحد" أو العالم المتعدد الأقطاب. إدارة ترامب الأولى وضعت إستراتيجية التصدي للعدو الروسي والتنافس الشرس مع الصين. استراتيجية الولاية الثانية تكاد ألا تكترث بالمواجهة مع روسيا أو الصين وتركّز بدلاً منها على تجنب الانجرار إلى حروب كبرى وتفضّل احتواء الخصوم. تريد إدارة ترامب تطويق الصين وتقييد تمددها الإستراتيجي ولا تسعى إلى المواجهة معها أو إسقاطها. تريد استنزاف روسيا إذا تمسكت بحربها في أوكرانيا وتريد إبقاءها في خانة الخصم الضعيف غير القادر على فرض وقائع جديدة في أوروبا ...