.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ستميّز الشخص المهووس بموسيقى "الراب والهيب هوب" حيثما كان في العالم، ومهما كان عرقه أو جنسيته، فهو في أحياء ديترويت المهمّشة مطابق لـ"شبيهه" في الريف الأوروبي أو في الشرق الآسيوي. ستميزه ببنطاله المنخفض المتحدّي لقوة الجاذبية، وبقميصه المتدلّي حتى ركبتيه، وبالمنديل الذي يغطّي جبهته، وبمشيته المتمايلة ببطء، وبحركات يديه الدؤوبة، وبسيارته الصاخبة، وحتى بكلبه من فصيلة "بت بول". ما إن تراه، ستجزم بأنه شخص يحب ثقافة الأميركيين السود، ويحب "السواد" -إن صح التعبير- أو الحالة التي يُعتبر المرء معها "أسود".
انظر حتى إلى أناقة ونظافة حذائه الرياضي لتتيقن من ذلك، فللأحذية الرياضية أهمية قصوى في ثقافة الأميركيين السود عموماً، ومستمعي "الراب والهيب هوب" تحديداً. إنها طريقة للتعبير عن الذات، ومصدر أساسي للاعتداد بالنفس، ودلالة على توفّر المال، بل التباهي بالحذاء الرياضي في بعض أغنيات "الراب والهيب هوب"، مثل قول فرقة "بيستي بويز" إنهم يملكون "أحذية أديداس رياضية أكثر مما يملك السباك كمّاشات". وأعتذر من الـ"بيستي بويز" عن ركاكة الترجمة.
وقد حملت ثقافة "الراب والهيب هوب" الأحذية الرياضية إلى مستوى جديد من الهوس الاستهلاكي، حتى عندنا في الخليج، وإن لم تتغول الظاهرة بعد كما في الغرب. ثمة أحذية نادرة ومحدودة الإصدار يربو سعرها على الـ 6 آلاف درهم! وثمة تجار يتخصصون في الاستحواذ على الأحذية مبكراً ويعيدون بيعها، مما يجعل الحذاء الرياضي دلالة أيضاً على التمتع بـ"الواسطة". وبلغ الجنون حداً يجعل البعض يشتري زوجين من نفس الحذاء، فأحدهما للارتداء، والآخر للاحتفاظ به والتحديق فيه فقط كأنه قطعة "رأس نفرتيتي" الأثرية.
ولكن كم من هؤلاء المقتدين بنجوم "الراب والهيب هوب"، والمأخوذين بثقافتهم السوداء، يعرف السر القاتم للولع بالأحذية الرياضية في مجتمع الأميركيين السود؟ وكم من هؤلاء يرى أبعد من النزعة الاستهلاكية المفرطة التي عززها مطربوه المفضّلون؟
بدأت المأساة مع "خدمات رعاية الأطفال" في أميركا، وهي الوكالة المعنية بحماية الطفل من الإهمال والإساءة. كانت الوكالة تمارس التمييز الممنهج ضد العائلات السوداء، وتجرّم فقرها ووضعها الاجتماعي المتردّي، حتى إنها جعلت الحذاء، أي حالة الحذاء وشكله ونظافته وتماسكه، أحد المؤشرات الموثوقة على حسن رعاية الطفل وتبلية احتياجاته.
وظلّت العائلات الأميركية السوداء تكتوي باتهامات الوكالة المقصودة لها بالتقصير، وتعاني بوتيرة أعلى من أي إثنية أخرى من السلب المتكرر لأطفالها، فأصبحت تولي أهمية كبيرة لأحذية أبنائها، وللملابس عموماً، فكلفتها بسيطة نسبياً، ولكنها تسدّ منفذاً سهلاً لـ"خدمات رعاية الأطفال".
ومن ذلك الجرح المتوارث وُلد الهوس الذي نراه اليوم بالأحذية الرياضية، والإصرار على اقتنائها وتجميعها والتفاخر بها.
فهل يحبّ السود حقاً، أم يحب "السواد" فقط، من لا يعتبر الحذاء الرياضي سوى وسيلة للتشبه بمطربي "الراب والهيب هوب"، ومجاراتهم في الاستعراض والتملك، من دون أن يكترث للآلام والمظلومية التاريخية الكامنة خلفه؟