.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لعلّها الذكرى الأصعب والأشق إطلاقا من عشرين مضت، لا لشيء، ولا لأن جمر الرحيل لا خمد ولا برد، بل لأن عقدين مرّا يلحّان بالسؤال المفزع المقلق: كيف ترانا بعد الآن نجعل جبران تويني صنو ذاكرة جيل ابنتيه اللتين لم تعرفاه، غابرييلا وناديا، أو جيل حفيده حامل اسمه، جبران ابن الخمسة عشر عاما؟
سؤال مقضّ، بل ملف هجست به "النهار" في هذا اليوم كأنها مسؤولية الأجيال ومسؤولية التاريخ ومسؤولية الأمانة لذاك الذي انتدب حياته وشهادته أمانة عن مسيحيين ومسلمين في "لبنانه" العظيم.
والحال أن رمزية العقدين في هذا اليوم، 12 كانون الأول 2025، لا تنفصل عن تحول صورة الشهيد في الأذهان والذكرى والرؤية اللبنانية من سنة إلى سنة، بفعل إسقاط الأحداث والمآسي والكوارث أو الأفراح الوطنية على ندرتها، على شخص الشهيد الذي كان صوته لا "يودّي" فحسب، بل مزّق أسماع أهل العتمة الإجراميين والطغاة والديكتاتوريين، داخلا وخارجا، إلى أن صعقوه وفجروه. ولذا، ببساطة كلية، قصة جبران تويني منقولة إلى الجيل الشاب، كما إلى الأجيال المعاصرة على اختلاف الأعمار، سواء بسواء، هي قصة بطل جبال الصوان في مواجهة الوصاية الأسدية والاحتلالية الغاشمة والإجرام العاتي الذي يعتاش على دماء الأحرار حين اغتيل. وهو أيقونة الشهادة من أجل لبنان كما صار الآن بعد عقدين من اغتياله.
القصة ليست في النبذة المشرفة التي ستقرأون، ولا في الفيديوات المخلدة لصوت من ضجّ به زمنه ولصورته، بل أبسط وأعمق حتى، في اختصار جبران تويني بأنه شهادة على شجاعة خيالية كأنها من روايات الأزمان الغابرة، ولم ترتدع إلا بالشهادة.
عشرون سنة من رحلة لبنان بعد جبران، "كأمس الذي عبر". كان ذاك الوسيم الصادح بثورة مقدسة، ثورة شعب التحم في مشهد لا تراه إلا مرة في العمر، إن كنت محظوظا، يقف على سطح مبنى "النهار" يوم الثورة المليونية، ليطلق في فضاء بيروت الهازجة يومَ وقف فيه قرص الشمس كيوم يشوع بن نون، قسَما أيقونيا يخرج المسيحيين والمسلمين إلى رحاب وحدة لا تقوى عليها أنواء الأعداء والدهور.
جبران تويني قال للأجيال المقبلة ببلاغة أدائه الجذاب، ما لم يقله تاريخ لبنان القديم والحديث، وما لم يتعلمه الطلاب في المدارس والجامعات، وما لم ولن يقرأه اللبنانيون في مدونات التاريخ الجليّ، لأن لبنان العتيق المهترئ الذي نذر جبران حياته لتبديله وتغييره لم يمت بعد، بل مات جبران...
قصة جبران بعد عقدين من استشهاده، تغدو "أخطر" القصص إن استسلم الجيل العشريني وما دون، لما يراه ويسمعه في يوميات هذه المسماة دولة، حين يعرف أبناء هذا الجيل أن دولته هذه على امتداد العشرين عاما لم تقتص من قاتل شهيد، ولا اكتشفت مجرما من سلالة عتاة الدمويين، ولا أنجزت تحقيقا من عشرات الملفات المخدرة المنسية في خزائن التحقيقات العدلية، ولا أقامت محاكمة مستنسخة أقله عن المحكمة الدولية النادرة التي وحدها اقتصت من المجرم وسلالته الإقليمية والمحلية، ولا دافعت عن محقق يوشك على كشف جبل الأسرار الكامن وراء تفجير العصر في مرفأ بيروت، ولا فرضت هيبة، ولا نزعت سلاحا، ولا بسطت سيادة، ولا استعادت استقلالا، اللهمّ إلا طلائع خجولة بطيئة أخيرا، تزحف مع آمال تتلاشى في كل "يوم تأخير" تحت وطأة تهديدات صلفة من خارج وداخل.
جبران يا جيل العشرين، لكان أحدث انقلاباً ليس بالمعنى السلطوي التافه السائد للانقلابات، بل في تثويركم أنتم على هذا العفن والعلل والفساد، وكل ما يدفن مشروع الدولة لدى أي قبس من انتفاض.
اغتالوا جبران لأنه كان صوت من كان في أعماركم ونبضكم وروح الثورة فيكم، قبل أن تولدوا. إنه المشهد الوطني إياه بعد عقدين، ولو تبدل الكثير شكلا. لبنان يرزح تحت ثقل التراكم الكارثي الموروث، وإذا كانت ظروف الخارج الإقليمي شهدت زلزالا قضى على حلف جهنمي كان هو قاتل جبران وقامات ثورة الاستقلال، فان الأدعى الآن استدراج "ثورة أرز ما" جديدة للداخل، والداخل وحده، وليس أقل، إذا كان لجيل لبنان الشاب أن يستلهم نبض جبران ابن غسان.