.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
أكثر شيء ركبه، وحاول توظيفه، نظام الأسد (الأب والابن) هو القضية الفلسطينية، إذ استثمر فيها لتعزيز شرعيته، وترسيخ هيمنته، وتغطية قمعه للسوريين، وتبرير مصادرته لحقوقهم وحرياتهم، حتى إنه استخدمها لتعزيز مكانته الإقليمية، في ابتزاز الأنظمة العربية الأخرى والمزايدة عليها.
بيد أن سيرة هذا النظام مع الفلسطينيين، ومع حركتهم الوطنية، كانت تفضح ذلك، وهو ما يمكن تبينه في عديد من المحطات التي كشفت محاولاته تحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة في مساوماته الخارجية.
فمنذ انطلاق الحركة الوطنية الفلسطينية، ممثلة بـ"فتح" (1965)، حاول حافظ الأسد (الرجل القوي آنذاك)، فرض شروطه على تلك الحركة، مقابل القبول بوجودها في سوريا، وضمنها عدم العمل من جبهة الجولان، وضم عدد من الشخصيات إلى قيادتها، وضمنهم عسكريون، من مثل يوسف عرابي، وأحمد جبريل، ومجاهد سمعان، وعلي بشناق، وفضل شرورو للسيطرة على تلك الحركة، عبر وضع عرابي في رأس قيادتها بدلاً من ياسر عرفات.
بيد أن تلك المحاولة باءت بالفشل بسبب رفضها من معظم قياديي "فتح"، في حينه، ولا سيما بعد مشادة بين يوسف عرابي وضابط من "فتح" (في مكتب للحركة في حي الشعلان بدمشق)، أدت إلى مصرع الإثنين (أيار/مايو 1966)، ما نجم عنه قيام السلطة السورية باعتقال قياديي "فتح" الموجودين بدمشق، وضمنهم أبو عمار وأبو جهاد، لأشهر عدة (أفرج عنهم بوساطات عربية)، وتالياً وأد محاولة الهيمنة على "فتح"، بخروج المحسوبين على النظام السوري من قيادتها.
هكذا فإن تلك الحادثة تفسر الحساسية المتبادلة، وعدم الثقة، بين الأسد وعرفات، والاضطراب في العلاقة السورية ـ الفلسطينية، مع سعي النظام السوري الحثيث للسيطرة على منظمة التحرير، إلى درجة أن الزعيم الفلسطيني الراحل كان قد صك شعار "استقلالية القرار الفلسطيني"، لصد تلك المحاولات، وتحجيم القوى الممثلة للسياسة السورية في الساحة الفلسطينية. وكانت القيادية الفتحاوية انتصار الوزير (زوجة خليل الوزير/ أبو جهاد)، قد وثقت تلك الحادثة، بكتابها: "رفقة عمر… مذكرات انتصار الوزير أم جهاد”، إصدار المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، قطر 2022.
بعد حرب (1967) توسع هامش الحركة الوطنية الفلسطينية، إذ بات الكفاح المسلح حاجة للأنظمة العربية للتغطية على الهزيمة، وشكل النظام السوري جهاز الضابطة الفدائية، كجهاز أمن خاص بالفصائل الفلسطينية، وبرز فرع "فلسطين" كواحد من أبرز فروع مخابراته وأكثرها وحشية، إضافة إلى إنشائه منظمة "الصاعقة"، المنبثقة عن حزب "البعث"، التي باتت مع الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، بقيادة أحمد جبريل، كفصيلين مواليين للنظام في هيكلية منظمة التحرير.
لذا كان بديهياً اصطدام السياستين الفلسطينية والسورية بعد دخول الجيش السوري إلى لبنان الذي خضع للهيمنة السورية لثلاثة عقود (1976ـ2005)، ما نجم عنه نشوء ذاكرة فلسطينية مشحونة بمأساة مخيم تل الزعتر الذي تعرّض لمذبحة مروعة، مع تدمير المخيم وتهجير ما تبقى من سكانه إلى أماكن أخرى في لبنان.
بعد غزو إسرائيل للبنان وخروج قوات المنظمة وكياناتها السياسية من بيروت (1982)، برز الخلاف السوري الفلسطيني بذهاب ياسر عرفات إلى مصر، ما نجم عنه فك العزلة عن النظام المصري، على الضد من السياسة السورية، وكذلك بنقل قوات منظمة التحرير إلى اليمن وتونس والجزائر، بدلاً من سوريا، لتجنّب الوقوع في إسار القبضة السورية.
في المحصلة، فإن مسعى نظام الأسد السيطرة على الورقة الفلسطينية، وإضعاف ياسر عرفات، نجم عنه التشجيع على الانشقاق في “فتح” (1983)، وتمكين المنشقين من السيطرة على مكاتب الحركة، ومعسكراتها في سوريا ولبنان، في مرحلة شهدت نوعاً من الاقتتال الفلسطيني في منطقتي البقاع وطرابلس بلبنان.
وقد توّج النظام السوري ذلك بالطلب من ياسر عرفات مغادرة الأراضي السورية، واعتقال معظم كوادر “فتح”، مع دعم محاولات المنشقين وبعض المنظمات الأخرى لتأسيس إطارات بديلة من المنظمة، وهو ما أخفقت فيه هذه الفصائل بسبب رفض الفلسطينيين لهذه المحاولات وارتيابهم بها، وتمسكهم باستقلالية القرار الفلسطيني.
وبين عامي 1985 و1988، شنت حركة "أمل"، كذراع للنظام السوري، حرباً شعواء ضد المخيمات الفلسطينية في بيروت (صبرا ـ شاتيلا ـ برج البراجنة)، بدعوى محاربة النفوذ العرفاتي فيها، نجم عنها تدمير أجزاء كبيرة من مخيمي صبرا وشاتيلا، مع مقتل مئات من الفلسطينيين، وهو ما أضيف إلى الذاكرة الفلسطينية المثقلة بمأساة مخيم تل الزعتر، التي لحقها تدمير مخيم نهر البارد (2007)، بعد ظهور حركة شاكر العبسي (الذي أطلقته المخابرات السورية من سجونها آنذاك)، وفي ما بعد عديد من مخيمات سوريا، ولا سيما مخيم اليرموك (2018)، ما يعني أن نظام الأسد (الأب والابن) يتحمل مسؤولية تدمير عديد من مخيمات الفلسطينيين في سوريا ولبنان.
سيرة نظام الأسد، إزاء قضية فلسطين، تشبه سيرته إزاء شعبه، فهو حاول التغطية على استبداده وفساده باسم فلسطين، مثلما غطى على ذلك بشعاراته عن الوحدة والحرية والاشتراكية، والمقاومة والممانعة.