إثيوبيا تتجاوز "الخطوط الحمر"... ومصر: "صبرنا نفد"!

كتاب النهار 10-12-2025 | 04:01
إثيوبيا تتجاوز "الخطوط الحمر"... ومصر: "صبرنا نفد"!
السجال المتصاعد بين أديس أبابا والقاهرة، يقول إن إثيوبيا أطلقت رصاصة على "المسار الديبلوماسي"... وحديث مصر عن "نفاد الصبر" يعني أننا على مشارف "خيارات أخرى"، فالحرب أولها كلام!
إثيوبيا تتجاوز "الخطوط الحمر"... ومصر: "صبرنا نفد"!
مطالبة مصر باتفاق ملزم لتشغيل سد النهضة تتسق مع القانون الدولي (أ ف ب/ أرشيف)
Smaller Bigger

بات اللعب "على المكشوف". شنت إثيوبيا "حرباً كلامية" شديدة الحدة على مصر. أصدرت بياناً أنكرت فيه حقوق القاهرة في مياه النيل، واعتبرتها "إرثاً استعمارياً"، بل ووجهت إهانات غير مسبوقة لمصر ولحلفائها بالقرن الإفريقي الذين وصفتهم بـ"الدمى الضعيفة"، واصفة تحركات القاهرة العسكرية والسياسية بأنها "محاولة فاشلة تفتقد إلى الخيال"، لصناعة "ذيول" هشّة لا دول!

بيان الخارجية الإثيوبية جاء رداً على رفض مصر الإجراءات الأحادية بشأن "سد النهضة"، وخرج عن النص تماماً. اتهم القاهرة بأنها ترفض الحوار والمفاوضات، وقال إن تصريحات مسؤوليها تمثل تهديداً، وتفتقد إلى الخيال السياسي، ولا تستوعب حقائق العصر، وهي لا تُفزع إثيوبيا، على حد وصف البيان.

كانت مصر هي التي سعت إلى بدء التفاوض بحسن نية، طوال 14 عاماً، ولم تتوقف عن المطالبة باتفاق قانوني، لملء وتشغيل السد، يضمن حق دولتي المصب في الحياة وإثيوبيا في التنمية. وأفضت المفاوضات إلى اتفاق المبادئ عام 2015. ثم وقعت القاهرة "اتفاق واشنطن" برعاية الرئيس دونالد ترامب في نهاية ولايته الأولى، بينما انسحبت أديس أبابا، ما حدا بالرئيس الأميركي لتأكيد أن السد بالشكل الحالي يمثل إضراراً متعمداً بمصر، وأنه لا يستغرب لو ضرب المصريون السد.

كذلك زعمت أديس أبابا أن اتفاقيات النيل، خاصة 1902 و1929 "معاهدات استعمارية". العجيب أن بريطانيا وقعت هذه الاتفاقيات نيابة عن القاهرة والخرطوم، بينما كانت إثيوبيا مستقلة. والمفارقة أن اتفاقية 1902 اقتطعت إقليم بني شنجول (المقام عليه سد النهضة) من مصر والسودان آنذاك، مقابل تعهد أديس أبابا بعدم إقامة أي منشآت تعرقل جريان النيل لدولتي المصب، وبالتالي لو رفضت إثيوبيا هذه المعاهدات ينبغي أن تعيد "الإقليم" ومعه السد!

يضرب البيان الإثيوبي عرض الحائط بقواعد القانون الدولي، لاسيما مبدأ "الاستخلاف الدولي"، إذ لا يجوز إنكار "معاهدات موروثة" تنشئ حدوداً أو تضمن حقوقاً، واتفاقيات النيل- خاصة 1902- هي من هذا الصنف من المعاهدات. أيضاً تتنكر أديس أبابا بفجاجة لمبادئ القانون الدولي الحاكمة للأنهار الدولية والعابرة للحدود، وخصوصاً الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، وعدم التسبب فى ضرر ذي شأن لدول المصب، وهي مبادئ ثابتة دولياً، أشار إليها اتفاق المبادئ عام 2015، ووافقت عليه إثيوبيا. هذا معناه أن مطالبة مصر باتفاق ملزم لتشغيل السد تتسق مع القانون الدولي، وليس الأمر مجرد اتفاقيات استعمارية متوارثة، بالإضافة إلى أن تبادل بيانات تشغيل السد لا يعرقل أي محاولة تنموية إثيوبية، بل لتجنب الإضرار بالسودان ومصر وهذا منطقي.

يرى العقل الإثيوبي لنفسه حقوقاً استثنائية، دون أساس، على النهج الإسرائيلي. تتعامل أديس أبابا مع النيل الأزرق باعتباره ملكية خاصة أو نهراً محلياً، لا دولياً، بالمخالفة لقواعد "قانون الأنهار". وتستخف لدرجة الصلف بمخاوف القاهرة والخرطوم بشأن إدارة السد، بالذات في أوقات الجفاف والجفاف الممتد، وتتناسى أن استفرادها بالتحكم بالسد، بلا اكتراث بشواغل دولتي المصب، سلوك عدواني شديد الخطورة على مصالح السودانيين والمصريين وعلى الأمن الإقليمي والعالمي.

الأكثر عجباً أن أثيوبيا في المقابل - وبذرائع تاريخية مزعومة - بدأت تحركات سياسية وعسكرية لانتزاع ميناء عصب من إريتريا، للوصول إلى البحر الأحمر، في اعتداء على سيادة دولة مستقلة عضو بالأمم المتحدة. بل تترك العنان لأطماعها الاستعمارية بأراضي ومياه وثروات جيرانها، مثل: إريتريا والسودان والصومال وكينيا وغيرها. تعتبر نفسها "شرطي القرن الإفريقي". في المقابل تتهم مصر بتنفيذ حملة لزعزعة الاستقرار في القرن الإفريقي، للنيل من إثيوبيا باستخدام "دول تابعة مطيعة وضعيفة ومنقسمة"، في إهانة لدول القرن الإفريقي، بوصفها "مجرد توابع". تعدت المزاعم الإثيوبية الجغرافيا إلى التاريخ. قالت إنها "تُمثل الوحدة الإفريقية ضد آثار الاستعمار" الذي تمثله مصر، في تناقض مع الحقيقة التاريخية. فلطالما كانت القاهرة بزعامة جمال عبدالناصر هي العاصمة التي احتضنت حركات التحرر في إفريقيا، وما زالت تدفع ثمناً فادحاً لهذا الموقف.

بالطبع، لن تقف مصر مكتوفة الأيدي أمام الأخطار المحدقة، خاصة في ظل التنسيق الإثيوبي - الإسرائيلي ضدها، في كل الملفات من النيل إلى البحر الأحمر إلى السودان، إلخ، من قبل رفض بدر عبد العاطي وزير الخارجية المصري الإجراءات الإثيوبية الأحادية بشأن السد، بوصفها خطراً داهماً يهدد الاستقرار في إفريقيا بأكملها، وأن مسار التفاوض مع إثيوبيا أصبح "مسدوداً تماماً". لافتاً إلى أن حقوق بلاده المائية "خط أحمر"، وأن "صبرها نفد"، مؤكداً أن ميثاق الأمم المتحدة يمنح الدول حق الدفاع عن النفس، وحماية مصالحها إذا تعرضت للخطر، خاصة لدولة تعتمد بنسبة 98% على مياه النيل.

السجال المتصاعد بين أديس أبابا والقاهرة، يقول إن إثيوبيا أطلقت رصاصة على "المسار الديبلوماسي" والآتي "إدارة صراع". تهرب إلى الأمام باختلاق عدو خارجي لمواجهة مشكلاتها الداخلية المتفاقمة. وحديث مصر عن "نفاد الصبر" يعني أننا على مشارف "خيارات أخرى"... فالحرب أولها كلام!