الجزائر وصعوبات "فك الارتباط" مع الميراث الكولونيالي الفرنسي

كتاب النهار 09-12-2025 | 04:15
الجزائر وصعوبات "فك الارتباط" مع الميراث الكولونيالي الفرنسي
التناقضات العميقة بين الجزائر وفرنسا لا يمكن اختزالها بملف "الذاكرة" الذي لا ينبغي أن يختزل أيضاً بمجرد "أرشيف الحرب"، بل هناك عدد من الملفات المحورية التي تتسبب بتوسيع الهوة الفاصلة بين المنظور الجزائري والمنظور الفرنسي لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات الثنائية بين البلدين.
الجزائر وصعوبات "فك الارتباط" مع الميراث الكولونيالي الفرنسي
المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا. (أ ف ب)
Smaller Bigger

من جديد عبّر أخيراً المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا (من أصل يهودي جزائري) المكلف من الرئيس إيمانويل ماكرون رئاسة اللجنة الفرنسية المخصصة للحوار الجزائري - الفرنسي حول ملف شؤون "الذاكرة التاريخية"، عن خيبته من التدخلات السلبية لوزارة الداخلية الفرنسية في هذا الملف وغيره من القضايا ذات الصلة بالأوضاع الاجتماعية والقانونية للمهاجرين الجزائريين في فرنسا. ولقد وصل الأمر بهذا المؤرخ إلى القول صراحة إن مثل هذا السلوك الفرنسي يمثل "امتداداً للفكر الكولونيالي".

ومن جهة أخرى، شخّص المؤرخ ستورا الأسباب الجوهرية التي تفاقم الأزمة والتي ما فتئت تسمّم العلاقات الجزائرية - الفرنسية، منها على سبيل المثال قيام بعض العناصر المسؤولة بوزارة الداخلية الفرنسية بأعمال معرقلة تخص مسألة تصفية "ملف الاستعمار" الفرنسي للجزائر، بدلاً من ترك هذا الملف لوزارة الخارجية الفرنسية صاحبة الاختصاص. ويرد المحللون السياسيون هذا الموقف اليميني الفرنسي الى أنه جزء من الذهنية السياسية الكولونيالية الفرنسية التي لا تزال ترفض حتى فكرة استقلال الجزائر عن فرنسا.

ويرى المؤرخ ستورا، حسبما نقلت عنه وسائل الإعلام المختلفة، أن الانفراج في العلاقات الفرنسية - الجزائرية يمكن أن يحدث فقط عندما يقبل الجانب الفرنسي العلاقة "القائمة على المساواة". أما "عندما يشتدُ الخطاب الفرنسي، وبخاصة إذا صدر عن وزارة الداخلية، فإنه يُعيد إلى الجزائر صورة وزارة وصيّة تتدخل في شؤونها كما كانت الحال في الحقبة الاستعمارية".

وفي الحقيقة، فإن التناقضات العميقة بين الجزائر وفرنسا لا يمكن اختزالها بملف "الذاكرة" الذي لا ينبغي أن يختزل أيضاً بمجرد "أرشيف الحرب"، بل هناك عدد من الملفات المحورية التي تتسبب بتوسيع الهوة الفاصلة بين المنظور الجزائري والمنظور الفرنسي لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات الثنائية بين البلدين.

ففرنسا مرحلة الرئيس ماكرون غير راضية تماماً عن الخيار الجزائري المستقل عن الوصاية الفرنسية، والمتمثل في تنويع الجزائر علاقاتها الثقافية والاقتصادية والسياسية والديبلوماسية بشكل خاص، ضمن إطار الانفتاح على دول العالم الأخرى.

من الملاحظ أن فرنسا حساسة جداً في ما خص وجودها الثقافي في مستعمراتها السابقة، بحيث أن استبدال الجزائر التدريجي للغة الفرنسية بالإنكليزية في المنظومة التعليمية الجزائرية، يعتبر لدى السياسيين الفرنسيين عموماً، ضربة عنيفة للوجود الثقافي واللغوي الفرنسي في الجزائر. وأكثر من ذلك، فإن سعي الجزائر للحد من نشاطات المركز الفرنسي عبر المحافظات الجزائرية يقلق الإدارة الفرنسية التي توصف غالباً بالمعتدلة. أما اليمين الفرنسي المتطرف فينظر إلى ذلك كجزء أساسي من طرد الثقافة الفرنسية من الجزائر، وخصوصاً بعد تقليمها أظافر التيار الفرنكوفوني الجزائري لمصلحة ثنائية الهوية الثقافية العربية – الأمازيغية.

ويبدو واضحاً أن التوظيف السياسي الفرنسي لعدد من المعارضين الجزائريين المقيمين بفرنسا، ولكتاب جزائريين فرانكوفونيين أمثال بوعلام صنصال وكمال داود، يدخل في إطار دفاع فرنسا عن وجودها الثقافي في الجزائر. والغريب في الأمر هو هذا الشرخ الكبير الذي حدث بين الفاعلين ضمن التيار الفرنكوفوني الجزائري حيث كان الأدباء الجزائريون الفرنكوفونيون البارزون أمثال كاتب ياسين ومحمد ديب ومولود معمري ومالك حداد جزءاً عضوياً من المقاومة الثقافية الوطنية الجزائرية، في حين صار عدد من جيل الكتاب الفرنكوفونيين الجزائريين حالياً جزءاً من الموقف السياسي اليميني الفرنسي.

إلى جانب ما تقدم، فإن الدور الجزائري المتماثل مع دور بعض الدول الأفريقية التي ما فتئت تحاول أن تتخلص من الهيمنة الفرنسية داخل الفضاء الفرنكوفوني الأفريقي عموماً غير مرحب به، سواء من طرف التيارات السياسية الفرنسية المعتدلة أو من طرف التيارات اليمينية المتطرفة، لأن كلا التيارين المختلفين أيديولوجياً يعتبران ذلك مساساً مباشراً بمصالح فرنسا.