.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
من عقائد قدامى المصريين أن الميت يُعرض على محكمة في العالم السفلي مكوّنة من 42 إلهاً برئاسة الإله أوزيريس، فيُوضع قلبه في الميزان مقابل ريشة الإلهة ماعت، إلهة الحق والعدالة، ويبدأ بالترافع دفاعاً عن نفسه بموجب قوانين ماعت، وجميعها بصيغة النفي، فيقول "أنا لم أسرق"، "أنا لم أقتل"، "أنا لم أكذب"، "أنا لم أتنصّت"، إلخ.
ولطالما أسرتني بعض هذه القوانين التي التزم بها المصري القديم متيقناً من أن آلهته سوف تسأله عنها في محاكمة الموتى، ولن تمنحه الحياة الأبدية إن تبيّن تفريطه فيها. "أنا لم ألحق الأذى بالحيوانات"، كان المصري القديم يستعد للشهادة، بحسب ما ورد في "كتاب الموتى". "أنا لم أسبب معاناة غير ضرورية للحيوانات"، "أنا لم أسئ معاملة المواشي"، "أنا لم أطرد المواشي من المراعي"، و"أنا لم ألوّث مياه النيل".
ولم تقتصر إنسانية المصريين القدماء على حيواناتهم الأليفة، التي وُجدت محنطة ومدفونة أحياناً مع أصحابها لضمان اللقاء بعد الموت، بل كان يُعرف عن مجتمعهم بأنه "يتقي آلهته" في الحيوانات المشرّدة من قطط وكلاب أيضاً، فيحميها ويطعمها. وكان قاتل القطط تحديداً يُعاقب بالإعدام، وهي عقوبة منصفة في رأيي. وامتدّت رحمة المصريين القدامى إلى الحيوانات البرية، فحرّموا الصيد الجائر والصيد بغرض الترفيه، واستخدموا شباك صيد تسمح بنفاذ الأسماك الصغيرة من خلالها في ممارسة عبقرية للاستدامة.
لقد استوعب المصريون القدماء قبل 7000 سنة أن الإيمان والصلاح الحقيقيين لا يكتملان في مجتمع يدمّر بيئته، ويقسو على حيواناته، مهما عمّر المعابد ونصب الكهنة ولهج بالصلوات. لقد كانوا على قدر من الرقيّ والتحضّر والخُلق ليقدّروا أنه في ميزان العدالة الأخروية، ليست التجاوزات ضد الإنسان أثقل بالضرورة من التجاوزات ضد الحيوانات والأشجار والبحار والتربة، فهذه ليست منعدمة القيمة لدى الخالق.
فيا لوقاحة من يسخر اليوم من الاحتفاء العربي الواسع بـ"المتحف المصري الكبير" معتبراً أنه مجرد "آثار حضارة وثنية كافرة"، وهو لم ولن يبلغ ربع مبلغ تلك "الحضارة الوثنية الكافرة" في تعاملها مع أمثاله من البهائم!
لو كنا مثل قدامى المصريين "الوثنيين الكفّار"، هل كانت دولنا العربية لتئنّ من انقراض الحياة الفطرية والتلوّث والتصحر وحرائق الغابات وجفاف الأنهار والبحيرات؟ وهل كانت حيواناتنا المشردة تعاني الجوع وإطلاق النار والتسميم؟ فضلاً عما تشهده البيوت من إهمال وسوء معاملة واقتناء بهدف الاستعراض وتكاثر غير محسوب للحيوانات الأليفة، التي ينتهي المطاف بنسلها في الشوارع، لتعاني بدورها الجوع وإطلاق النار والتسميم في حلقة مفرغة من الشرّ والأنانية. وهل لو كنا مثل قدامى المصريين "الوثنيين الكفّار" لاستخف أحد بجرائمه المتعمدة ضد البيئة والحيوانات، ولعدّها في أسوأ الحالات وأفظعها من صغائر الذنوب التي يستحيل أن تحرمه الجنّة؟
ألا ليت قوانين ماعت "الوثنية الكافرة" تعود يوماً لأخبرها بما فعله بنا التديّن الظاهري.