.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
نشر مزوّر مجهول مقالاً وقّعه باسمي حول الرؤية لحلّ في لبنان. يحمل المقال مجموعة اقتراحات من النوع الذي أمضيت عمري في تسخيفه، لأن مؤدّاه الحتمي والوحيد المضيّ في قتل لبنان.
مظلة نعيش في ظلها، نموذجاً إنسانياً قوامه عبقرية الشراكة البشرية الراقية، وليس دعاة الكهوف وسماسرة الأدغال.
يدعو صاحب الفكرة السفيهة إلى تحالف أقليات طائفية، أي ترسيخ البناء على عداء، والعودة إلى جميع الغرائز والثارات والحروب القبلية كأساس نبني عليه لبنان آخر. ويتضمّن الطرح تلقائياً أن يحمل كلّ منا إلى الوطن الجديد الفؤوس وكتب السحر والسيوف اللماعة.
يشعر المرء بالتقزز عندما يدرك أن في بلده من لا يزال يريد أن يعيش أبناؤه في القرن السابع. ومن أجل ذلك لا يكتفي بطرح أحط الأفكار، بل يعربد في سبيلها أحط الجرائم: التزييف والتزوير والكذب والتحريض والانتحال.
تمنّى عليّ أصدقاء وزملاء كثيرون أن أقاضي الفارس المختبئ وراء خسّة القناع. لا أريد أن أزعج قضاتنا الأعزاء فهم ينظرون في مزاعم ومسائل وجرائم اجتماعية أكثر خطورةً بكثير. وما أنا إلا فرد في بلد ذبلت فيه الآمال بالقوانين... وتحوّل فيه الدستور إلى فتاوى.
لن يجرّنا حمقى الأحقاد إلى الأفكار البربرية. الذي يقترح بلداً قائماً على الأقليات لا يعرف أننا بلد قائم على مكدّسات المقدّسات. لا يعرف أن أول مدينة مسيحية كانت صور، لا روما. لسنا في حاجة إلى الشواهد الماضية فهي تملأ التاريخ. نحن في حاجة إلى رجال مستقبل يحفظون الإرث ويوسّعون الأفق. الرؤوس الصخرية والقلوب الصخرية تملأ العصور.
الملهمون صناعتهم رسالتهم. ورسالتهم هي النور. والنور للجميع. الأنفس الصغيرة تقسم الدنيا إلى أكثريات وأقليات. شعوب مختارة وأناس ليسوا شعوباً. ولدت فكرة الأمة من أجل تجاوز المرحلة الحجرية. وأقامت أثينا المبدأ الديموقراطي من أجل وضع حدّ للسوقة وتفهاء الغرور وغلظاء الغطرسة.
صاغ يسوع بن مريم ذلك المبدأ على شكل سيرة درامية من أجل ترويض نزعات التوحّش، وحاول حماية الإنسان الضعيف من الإنسان الذئب بأن انتقى جانب الحملان. ومن خلال تلك الملحمة رسم الفروق البشرية وطبيعة الإنسان: بطرس الخائف وتوما المشكك ويوضاس الخائن والجاسوس ودنيء الأمانة.
مرّ بنا لاوون الرابع عشر يقرأ من كتاب المسيحية. السلام بين البشر وتحيّة إلى يعقوب الكبوشي وضعفائه، قادماً من تركيا حيث رفع راية المصالحة الكبرى مع الإسلام، وهو نهج نبيل بدأه الأمراء من أسلافه، خصوصاً آخرهم، فرنسيس الأسيزي، قدّيس الطيور والفقراء والغزلان العالقة في الثلوج.
اكتشفت فرنسيس الذي من أسيز في ملحقات روما، من خلال نيكوس كازانتزاكيس، صاحب "زوربا" البحّار المغنّي. وكان كازانتزاكيس قدّيس الشعراء. ولذا اتُّهم بالشيوعية ومنعت الكنيسة دفنه في جزيرته كريت، البيضاء الرمال.
في سنوات السفر والشغف الأدبي كنت أسافر إلى هيراكليون، عاصمة كريت، وأحلم بأنني سوف أضع ذات يوم سيرة كازانتزاكيس. ولكن الحلم كان ينتهي مع أواخر الصيف والعودة إلى حقائق الأمور. وبلغ شغفي بأعمال هوميروس اليونان المعاصر، أنني كنت أوقّع العرائض مع الذين يطالبون برفع الحرم عنه. ولم يخطر لي مرّة أن توقيعي سوف يزوَّر يوماً على عريضة تطالب بطغيان التفرقة واستبداد الانعزال.