.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
كان الحنين إلى الماضي، والغضب من العولمة وتنامي التنوّع العرقي والثقافي، من محركات عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ثانية إلى البيت الأبيض، تحت شعار "أميركا أولاً"، حيث شرع في فرض سلسلة من الرسوم الجمركية ضد شركاء بلاده التجاريين، لحماية الصناعة الأميركية والوظائف، ثم جمّد معظم الإجراءات موقتاً، لكن الأسواق أصيبت بالرعب؛ هوت الأسهم وعانى الدولار، وبات الاقتصاد العالمي على حافة الخطر! ثم عاود ترامب الكرة في اتجاه مغاير. فرض حظراً على المهاجرين من "العالم الثالث". توجهات شعبوية تخلف إشكاليات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية بعيدة المدى أميركياً ودولياً.
يسعى ترامب الى إحداث تغيير هيكلي في بنية الاقتصاد العالمي، لمصلحة الولايات المتحدة، لكن مقاربته تُضعف "الشراكات" التي تحتاجها واشنطن، وتتسبب بأضرار بالغة للدولار- على عكس ما يرغب- ونصيبه كعملة للتجارة الدولية؛ إذ اضطرت دول في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا الى البحث عن ترتيبات تجارية تقلّص اعتمادها على "العم سام"، بعد صدمتها من خطوات ترامب الحمائية الانعزالية.
لم يكن ترامب أول زعيم يحاول عزل بلاده عن العالم لاستعادة زمن ولى، لكنه قد يكون أكثرهم اندفاعاً، بناء على رؤى تتناقض مع عولمة الاقتصاد. قال إنه فرض "الرسوم الكبيرة يوم ولدت فيه الصناعة الأميركية من جديد، واستعادت فيه أميركا قدرها"، بينما أوضح سكوت بيسينت وزير الخزانة الأميركي أن الألم الناتج من الرسوم "فترة تطهير أو عملية جراحية" لعلاج مرض مزمن. أما هوارد لَتنِك وزير التجارة الأميركي فقد صوّر هذه الرسوم على أنها نوع من استعادة واشنطن مجدها الضائع، وأضاف: "إن الصين صنعت جيشاً من ملايين البشر يركّبون مسامير صغيرة لهواتف الآيفون. وظائف كانت من نصيب الأميركيين، واليوم ستعود إلى الداخل الأميركي".
لكن الولايات المتحدة لم تستعد الوظائف المفقودة، بسبب الحمائية والاتجاه لخسارة الأيدي العاملة الرخيصة بـ"محاصرة المهاجرين". وبدلاً من إعادة تقييم المسار الاقتصادي والسياسي والقانوني تلجأ الإدارة الأميركية إلى تصعيد حروب ثقافية، فلا بد من "كبش فداء" تلقي عليه اللوم، وحين تفشل السياسات التي يؤيدها الملايين، يصبح الحنين للماضي سبباً للأزمة، وفي الوقت نفسه غطاء لها.
هذا التحول في القوة الاقتصادية العالمية وصل إلى نقطة حاسمة، مع تزايد التغييرات الهيكلية، وتفاقم الإحباط الشعبي في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، لذلك حذر جوشوا بي. زوفرزميل المستشار السابق بالبيت الأبيض، من تجاهل مصالح حلفاء أميركا والادعاء أن واشنطن هي الضحية في التجارة العالمية، لأن ذلك يغفل الفوائد التي جنتها من الدور الاستثنائي للدولار في الاقتصاد الدولي؛ فالدولار يشكل 90% من معاملات الصرف الأجنبي، ويستخدم في أكثر من نصف المدفوعات العالمية عبر نظام "سويفت"، لهذا يتمتع الأميركيون بقوة شرائية أكبر ومستوى معيشي أعلى، فيما تستفيد شركاتهم من استيراد المكونات بأكلاف أقل. ويضيف زوفرزميل أن انتشار الدولار منح واشنطن "سلاحاً" لا يملكه أي بلد آخر، إذ تلتزم الشركات حول العالم العقوبات الأميركية، لأنها لا تستطيع الاستغناء عن الدولار في معاملاتها، ما يجعل تمويل برامج الدفاع والرعاية الاجتماعية في أميركا أقل تكلفة.
بيد أن هذه المزايا تواجه تحديات متنامية، مع تصاعد الرسوم الجمركية واتساع العجز، وغياب اليقين الاقتصادي، لذا بدأت الاستثمارات الأجنبية بالتراجع- ومعها الدولار- وارتفع الدين العام وأكلاف الاقتراض الأميركي. الغريب أن الوقت ليس مناسباً لإثارة الشكوك حول دور الدولار عالمياً، إذ إن زعزعة الثقة به ستؤدي إلى نتائج خطيرة على الولايات المتحدة والعالم، لكن الرئيس الأميركي له رأي آخر. توقع غاريت مارتن أستاذ العلاقات الدولية بالجامعات الأميركية أن يستمر ترامب في تسريع الحمائية ونبذ التعددية ونقض النظام العالمي القائم على التماس القيم الديموقراطية.
واتفق الكاتبان هارولد جيمس وماري لويز مع هذا الرأي، بمقال في "فورين أفيرز" حذرا فيه من تجاهل العواقب السلبية للسياسات الاقتصادية الانتقامية، على أمل استعادة "العصر الذهبي الأميركي"، فاقتصاديات "الحنين إلى الماضي" لم تنجح قط، وفشلها المحتوم لا يؤدي إلا إلى ولادة حنين ثقافي أعمق، قد يكون أكثر خطورة من العزلة نفسها. فحين تأخرت اليابان، عن أوروبا الغربية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تمسكت بشدة بهويتها الثقافية الفريدة؛ ما دفعها في نهاية المطاف إلى التوسع الإمبريالي، أيضاً على الجانب الآخر، لما انعزلت الصين سقطت فريسة للتخلف والاستعمار، واستغلت القوى الأوروبية ضعفها، لنهب ثرواتها وفرض الشروط عليها، فيما عرف بعصر "الإذلال القومي".
عامل آخر، لا يمكن إغفاله أن قوى العولمة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تعصف بالوظائف وتُغير عالم اليوم، وتفكك العائلات والمجتمعات، ومن ثمّ تبدو فكرة العودة إلى نسخة ماضوية من العالم مغرية لبعضهم، لكن الحنين إلى الماضي قد يكون مريحاً على المستوى الفردي، أما أن يصبح "سياسة عامة" في دولة عظمى مثل أميركا فتلك كارثة، هي أول من يعاني آثارها والعالم من ورائها!