الشرطي الطيب والشرطي الشرير

كتاب النهار 02-12-2025 | 06:00
الشرطي الطيب والشرطي الشرير
حينما يريد المحققون دفع المتهم إلى الإدلاء بالاعترافات، يلجأون إلى تكتيك نفسي يُدعى "الشرطي الطيب والشرطي الشرير". يأتي الشرطي الشرير، فيكون متسلطاً وغاضباً ومخيفاً، وملوّحاً بالتهديدات الخطيرة، ثم يتبعه الشرطي الطيب، فيكون متعاطفاً ومرناً ولطيفاً، ويغري بالمكافآت، مما يشجع المتهم على "اقتناص الفرصة" والتعاون معه...
الشرطي الطيب والشرطي الشرير
ليكن اليوم الوطني الإماراتي تذكرتنا السنوية لأنفسنا بأننا قهرنا الشرطيين الشرير والطيب معاً. (أ ف ب)
Smaller Bigger

حينما يريد المحققون دفع المتهم للإدلاء بالاعترافات، يلجأون إلى تكتيك نفسي يُدعى "الشرطي الطيب والشرطي الشرير". يأتي الشرطي الشرير، فيكون متسلطاً وغاضباً ومخيفاً، وملوّحاً بالتهديدات الخطيرة، ثم يتبعه الشرطي الطيب، فيكون متعاطفاً ومرناً ولطيفاً، ويغري بالمكافآت، مما يشجع المتهم على "اقتناص الفرصة" والتعاون معه.

ونحن نعرف هذه الحيلة جيداً، فثمة من يحاولون إخضاعنا كمواطنين إماراتيين لها منذ سنوات طويلة، وتحديداً منذ بدء الحرب الإعلامية والافتراضية على الإمارات.

في البدء، يدفعون نحونا بالشرطي الشرير، وهو شخص منفلت في كراهيته وأحقاده، ينفث حممه على الإمارات، ويصبّ جام لعناته على الدولة بمن فيها، فلا يبقي ولا يذر. يتمنى الشرطي الشرير زوال الإمارات، ويصفها بالدولة الكافرة والمارقة، وهو على استعداد لتخطي كافة الحدود ليقذف الأعراض ويشتم الأموات ويشمت بالكوارث الطبيعية. ولا يشبع الشرطي الشرير من كيل الاتهامات أيضاً، فالإمارات ثقبت الأوزون، والإمارات أغرقت أتلانتيس، والإمارات أطاحت بإمبراطورية الآزتيك، والإمارات أسقطت القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي.

وهم يراقبوننا -بطبيعة الحال- من خلف النافذة التي تبدو كالمرآة في غرفة التحقيقات. إنهم يراقبون ردة فعلنا الشعبية العدوانية، إذ نشحذ ضد الشرطي الشرير كلماتنا ومواقفنا الحادّة، وننقض عليه مقارعين حججه ومفنّدين أكاذيبه.

حينها، يدفعون نحونا بالشرطي الطيب، وهو لا يقلّ ظلامية ولا أدلجة ولا تحزباً عن الشرطي الشرير، ولا ننسى أنهما فعلياً زميلان في الفريق، وينفّذان "خطة اللعب" نفسها، ويصبوان إلى الأهداف نفسها. ولكن للشرطي الطيب ميزته، فهو شخص أخذ مقلباً معتبراً بنفسه حتى اعتقد بأنه أحد دهاة العرب الأربعة.

"ليست مشكلتنا مع الشعب الإماراتي المضياف والمهذب"، يطمئننا الشرطي الطيب بنبرته الحنونة. ثم -ولإذابة جبل الجليد الذي نصبه الشرطي الشرير- سيخبرنا كم يحب الإمارات كبلد، فله الأصدقاء المخلصون فيها، ولطالما زارها سائحاً. "أنتم أخوتنا. مشكلتنا تقتصر على القيادة الإماراتية".

ويتخيل الشرطي الطيب هنا بأننا سوف نسيح بين يديه مثل عصا الزبدة، ونتحول من الانفعال إلى الاستسلام، ومن الرفض والعصيان إلى الموافقة والانقياد. يتوهم بأننا سوف "نبرأ إليه" من قيادتنا، ونبكي متوسّلين العفو والرحمة، لعلنا نخرج بـ"حكم مخفف" من الحرب الإعلامية المشتعلة ضد دولتنا. ولأنه "طيب" حقاً ودرويش، فيُفجع حينها بوعي الشعب الإماراتي، وبكشفهم لحقيقته، وتصدّيهم لسرديّاته.

بصراحة، فالمرء يعتاد شرطيّهم الشرير مع الوقت، ويألف عنفه وعفنه معاً. ولكنه الشرطي الطيب الذي بات يستفزني ويخرجني عن طوري، وهو الذي يتصوّرنا حمقى وسُذّجاً؛ فالقليل من الألفاظ المنمقة والأسلوب المعسول كفيل باستمالتنا إلى الفاسدين، الانتهازيين، الدمويين، التكفيريين، المحتكمين إلى مكيالين وأكثر، والذين ما دخلوا قرية إلا وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة. وإمعاناً في استغبائنا، فهو يهرع لاستخدام الحيلة نفسها مع كل حملة جديدة ضد الإمارات، متوقعاً حصد النتائج المغايرة!

ليكن اليوم الوطني الإماراتي تذكرتنا السنوية لأنفسنا بأننا قهرناهما: الشرطيين "الشرير والطيب" معاً.