"منهاج" ضبط المرجعية الدينية في الفضاء الرقمي!

كتاب النهار 01-12-2025 | 05:13
"منهاج" ضبط المرجعية الدينية في الفضاء الرقمي!
 لا يُقرأ تطبيق "منهاج" باعتباره مشروعاً تقنياً وحسب، بل محاولة لإعادة تأسيس مرجعية موثوقة، تُعاد من خلالها صياغة العلاقة بين العلم الشرعي والبيئة الرقمية...
"منهاج" ضبط المرجعية الدينية في الفضاء الرقمي!
الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الشيخ محمد العيسى
Smaller Bigger

يأتي إطلاق تطبيق "منهاج" من قِبلِ "رابطة العالم الإسلامي" كمسعى جدّي لعلاج اختلالات تراكمت طويلاً في المجال الديني الرقمي، وباتت تربك المسلمين الباحثين عن أجوبة عن مسائلهم الفقهية، ما جعل العديد منهم عرضة إما للفتاوى غير الصحيحة أو المسيّسة أو المبنيّة على غير علم!

خلال السنوات الماضية تحوّلت العديد من التطبيقات والفتاوى غير المنسوبة إلى جهات معتبرة، إلى مصادر تُعاد عبرها صياغة المفاهيم وفق رؤية ماضوية، ما أنتج سرديات متشدّدة وفتح الباب أمام مزيد من التكفير والتجييش الطائفي.

في هذا السياق، لا يُقرأ تطبيق "منهاج" باعتباره مشروعاً تقنياً وحسب، بل محاولة لإعادة تأسيس مرجعية موثوقة، تُعاد من خلالها صياغة العلاقة بين العلم الشرعي والبيئة الرقمية، وتمنع أن يتحوّل الخطاب الديني إلى منصّة ظاهرها الفتوى وباطنها التأثير على الجيل الجديد والدفع به نحو خيارات عنيفة!

في كلمته خلال حفل التدشين وصف الأمين العام لـ"رابطة العالم الإسلامي" الشيخ محمد العيسى "منهاج" بأنه "المرجعية الإسلامية الرقمية التي طال انتظارها" مؤكداً أنه يقوم على "موثوقية مؤسّسية عالية". هذا التوصيف يشير صراحة إلى فراغ كبير نشأ بفعل غياب مرجعية رصينة في الفضاء الرقمي، حيث تتزاحم التفسيرات المتناقضة وتُساق النصوص خارج سياقاتها!

العيسى شدد على أن "منهاج" حظي بـ"إجازة رسمية من المجمع الفقهي الإسلامي" وهي خطوة تمنح المشروع شرعية جماعية، وتُخضع محتواه لآليات مراجعة مؤسسية، لا لاجتهادات فردية.

المشروع الذي أطلق في مكة المكرّمة يبتني على فكرة مركزية، تتمثل في ضبط المنهج والمحتوى. فالإشكال الذي اتسع خلال العقدين الأخيرين لم يكن مرتبطاً بنقص النصوص الفقهية، بل بتشويه منهجيات الاستنباط وجمودها وعدم مواكبتها لتغيّرات الحياة، وأيضاً توظيف بعض الخطابات لأغراض سياسية أو مذهبية. لذلك يسعى "منهاج" نحو تقديم تعليم منظم، ومعالجة علمية للموضوعات الإشكالية، وتصحيح المفاهيم التي صاغها المتطرفون.

يتزامن هذا التوجّه مع المسار الذي قادته "الرابطة" خلال السنوات الماضية في مواجهة التشدد والانغلاق، سواء عبر المؤتمرات الدولية أو مبادرات الحوار بين المذاهب والأديان، كما الوثائق الهامة التي أصدرتها ومنها "وثيقة مكة المكرمة" و"وثيقة بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية" ما يجعل "منهاج" الامتداد الرقمي الطبيعي لهذا الجهد.

هنالك نقطة مهمةٌ تسجّل لصالح "التطبيق" تتمثّل في تحويل "المرجعية" من فضاء النخبة إلى أداة عملية في متناول المستخدم العادي، وبالتالي سهولة الوصول إلى المعلومة الأكثر موثوقية.

تقديم "المنصّة" بلغات متعددة يضعها في إطار يتجاوز الجغرافيا المحلية في العالم العربي. فـ"منهاج" له خيارات لغوية عدة: الإندونيسية، الأوردية، العربية، الإنجليزية. وهذا يشير إلى أن المشروع ليس موجهاً لجمهور ضيّق، بل نحو المسلم أينما كان.

يتعزز هذا البعد الإسلامي الأوسع بالنظر إلى الحضور في حفل التدشين. فإضافة إلى المفتي العام للمملكة العربية السعودية الشيخ صالح الفوزان الذي ألقى كلمة نيابة عنه الدكتور فهد الماجد، حضر نخبة من كبار الشخصيات والعلماء في المملكة وخارجها وكان من بين المشاركين رئيس "مجلس الشورى" الإندونيسي أحمد موزاني، ورئيس "المجلس الإسلامي الأعلى" في الجزائر مبروك الخير، والأمين العام لـ"منتدى أبوظبي للسلم" المحفوظ بن بيه، ومفتي أذربيجان والقوقاز شيخ الإسلام الله شكر باشازادة، وسواهم؛ وفي ذلك رسالة بأن هذه الشبكة من الحضور تمنح "منهاج" تأييداً وقبولاً عابراً للحدود.

هذه هي البداية لـ"منهاج" الذي ستكون أمامه مسيرة متواصلة من التطوير ونقل المحتوى من الصياغة المؤسسية إلى التأثير العملي، وصناعة وعي لدى المستخدم، ومقدرة على مواكبة الأسئلة الجديدة التي يطرحها الشباب، وتحويل الفقه إلى لغة قادرة على التعامل مع تحديات الدولة الحديثة والمواطنة والعيش المشترك.