حظر جماعة الإخوان والبراغماتية الأميركية

كتاب النهار 01-12-2025 | 05:19
حظر جماعة الإخوان والبراغماتية الأميركية
الضوء الأخضر الذي أطلقه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لحظر بعض أفرع جماعة الإخوان المسلمين يثير تساؤلات حول السياسة الأميركية التي اعتمدت طويلاً على الإسلام السياسي كأداة حرب بالوكالة داخل الدول العربية والإسلامية...
حظر جماعة الإخوان والبراغماتية الأميركية
ترامب يعيد تشكيل خريطة الإسلام السياسي في الشرق الأوسط؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

الضوء الأخضر الذي أطلقه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب لحظر بعض أفرع جماعة الإخوان المسلمين يثير تساؤلات حول السياسة الأميركية التي اعتمدت طويلاً على الإسلام السياسي كأداة حرب بالوكالة داخل الدول العربية والإسلامية، خصوصاً في عهد باراك أوباما، وقبل ذلك منذ مشروع "الحزام الأخضر" الذي صاغه هنري كيسنجر وزبيغنيو بريجنسكي لمواجهة المد الشيوعي وإضعاف الدولة القومية في العالمين العربي والإسلامي عبر الاعتماد على الإسلامويين المتأثرين بإلغاء الخلافة الإسلامية في إسطنبول عام 1924. وهذا التوجّه امتدّ تأثيره إلى تركيا الكمالية العلمانية وأفرز لاحقاً الإسلامويين الليبراليين القادرين على التوافق مع البراغماتية الأميركية، الفلسفة الحاكمة لسياسةِ الولايات المتحدة في إدارة مصالحها.

والحقيقة أن الولايات المتحدة لم تتراجع عن سياستها تلك، ويتضح ذلك من خلال دعمها عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان أو مباركتها للإطاحة بنظام الأسد في سوريا وتقبّلها صعود الإسلامويين هناك ما داموا منسجمين مع مصالحها.

وقد أدركت جماعة الإخوان المسلمين فحوى الرسالة الأميركية، كما ظهر في بياناتها التي أكدت تعاونها مع واشنطن لدعم الاستقرار الإقليمي وجهود السلام، وهي حقيقة ظهرت في ساحات قتال متعددة مثل العراق وسوريا حيث جاءت أدوارهم في خدمة الأهداف الأميركية.

أما اليوم، وعلى سبيل المثال، فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى استقرار الحكومة السورية، ولا تتبنّى إسرائيل الموقف نفسه، يأتي حظر الإخوان كأداة تدعم الحكومة الجديدة في دمشق وتوجّه سلوكها تجاه تل أبيب نحو الاعتدال.

وبذلك فإن إعادة ترامب فتح ملف الإخوان يعيد إلى الأذهان محاولاته عام 2019 لحظر الجماعة، ولكنها الآن في إطار أهداف جيوسياسية أوسع في الشرق الأوسط، إضافة إلى استخدامها كورقة دعائية داخلية لتعزيز قاعدة الجمهوريين. فترامب الذي يتبنّى مقاربة تقوم على فرض الاستقرار بالقوة - مثلما قصف منشآت إيران النووية وتهديداته لحماس الفلسطينية - يعمل الآن على نزع الطابع الجهادي من بعض أفرع الإخوان وتحويلها إلى أجنحة سياسية فقط.

ويرتبط هدفه أيضاً بإدارة التنافس السنّي في المنطقة، خاصة أن الجماعة بعد سقوط حكمها في مصر عام 2013 تحوّلت إلى محور تنافس إقليمي وأخذ حضورها طابعاً سياسياً ودولياً أكبر من السابق. لذلك لا يعكس القرار الأميركي قطيعة مع السياسات السابقة، بل يمثل استمراراً للبراغماتية الأميركية ومحاولة لفرض "الاعتدال السنّي" بما يمنح واشنطن أدوات جديدة للتأثير في الإقليم.

ويدفع تعقيد البنية الاجتماعية والسياسية للإخوان وواقعهم في الدول المختلفة، الأميركيين للتعامل بواقعية؛ فمدينة لاهور استضافت بين 21 و23 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، المؤتمرَ السنوي والعام للجماعة الإسلامية في باكستان، بحضور قيادات إخوانية عربية وأجنبية، حتى إن ذلك المؤتمر كان بمثابة اجتماع للتنظيم الدولي لمناقشة الخطوات المقبلة، وكل ذلك في دولة تُعد حليفاً لواشنطن في جنوب آسيا.

بذلك، فإن ما يشغل إدارة ترامب ليس القضاء على تنظيم جماعة الإخوان المسلمين بل إدارة سلوكه وترويضه بما يخدم الرؤية الأميركية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما مشروعها "السلام الإبراهيمي". فإن جماعة الإخوان ذات فروع مختلفة وبمسمّيات ليست واحدة، وتصنيفها كلها كمنظمة إرهابية قد يسبّب عواقب قانونية وديبلوماسية كبيرة ويصطدم مع دول مثل تركيا وباكستان وقطر. فإن الحظر الأميركي أو الغربي للإخوان ورقة ضغط قوية على بلد مثل تركيا، خاصة في ملفات ليبيا وسوريا وغزة، لكن الجماعة أداة مهمة أيضاً في يد أنقرة وليس من السهل تنازلها عنها. لذلك قد تفضّل واشنطن تصنيفها "منظمة إرهابية أجنبية" بدلاً من "منظمة إرهابية دولية"، وهو خيار أقل حدّة، وسيُحسم وفقاً لمصالحها مع حلفائها.