الطموح السعودي و"النفط الجديد"... واشنطن والرياض يداً بيد!

كتاب النهار 26-11-2025 | 04:13
الطموح السعودي و"النفط الجديد"... واشنطن والرياض يداً بيد!
جاءت مراسم الاستقبال الاستثنائية "الأرفع بروتوكولياً منذ أعوام"، التي استقبل بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض، دليلاً على تدشين فصل جديد في العلاقة بين الجانبين...
الطموح السعودي و"النفط الجديد"... واشنطن والرياض يداً بيد!
عكست مباحثات ترامب وبن سلمان قواسم مشتركة تجاه الذات والعالم. (أ ف ب)
Smaller Bigger

جاءت مراسم الاستقبال الاستثنائية "الأرفع بروتوكولياً منذ أعوام"، التي استقبل بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض، دليلاً على تدشين فصل جديد في العلاقة بين الولايات المتحدة القوة العظمى الأولى، والسعودية الدولة الوازنة عربياً وإسلامياً، وأحد أكبر مصدّري النفط عالمياً.

كان الرئيس الأميركي قد اختار السعودية لتكون وجهته الأولى خارجياً، في مستهل ولايته الأولى، وكرّر ذلك في مفتتح ولايته الثانية، كإشارة دامغة على مركزية المملكة في حساباته، بعد نحو تسعة عقود من "تفاهم كوينسي" بين الدولتين.

عكست مباحثات ترامب وبن سلمان قواسم مشتركة تجاه الذات والعالم. كلّ منهما يبني رؤيته على مبدأ "المصلحة الوطنية أولاً"، وتكثيف الحضور الفاعل في القضايا، اعتماداً على القوة بأنواعها الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والعسكرية، لفرض تحقيق الأهداف، حتى السلام. ويمثل تعزيز الشراكة مع الرياض سبيلاً لتحقيق أهداف واشنطن، في قضايا مهمة، ولا سيما ملفات الشرق الأوسط، والطاقة والتطبيع مع إسرائيل، وكبح نفوذ المنافسين في المنطقة، خاصة الصين وروسيا؛ فالسعودية ترجح كفة المعسكر الذي تنضم إليه، ومن ثمار تلك الشراكة قرار المملكة استثمار تريليون دولار في الولايات المتحدة، حيث تبلغ استثمارات صندوق الاستثمارات السعودي 40% من استثماراته العالمية. أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الصداقة مع السعودية "شراكة للمستقبل". وقال جيسون غرينبلات، المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط في إدارة ترامب الأولى، إن المملكة بقيادة محمد بن سلمان تشهد أحد أكثر التحولات طموحاً. لم تعد مورداً للطاقة فحسب، بل مركزاً للإبداع والتكنولوجيا والفرص الواعدة. وهذا، برأيه، بالغ الأهمية لواشنطن؛ فالسعودية الحديثة الواثقة شريك يمكن لأميركا الاعتماد عليه.

تعيد زيارة الأمير بن سلمان تشكيل مسار الشراكة مع واشنطن لصياغة خيارات السعودية الاستراتيجية وحماية مصالحها، فتضع الرياض في موقع القوة المحورية التي تصوغ موازين الإقليم، وتتمدد نحو نفوذ عالمي متسارع، بعدما نجحت أيضاً في بناء شراكات متينة مع الصين وروسيا وأوروبا والهند واليابان وتركيا، ووقعت اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان، القوة النووية، في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بأن المملكة مستعدة لتنويع تحالفاتها لتعزيز ردعها، عقب الهجوم الإسرائيلي على قطر الذي زعزع ثقة الخليج بأميركا. بيد أن السعودية ترغب في مدّ مظلة حماية أميركية، لتعزيز قدرتها على الردع وجاهزيتها الدفاعية، وعقدت بالفعل صفقات تسلّح نوعية، مثل مقاتلات الجيل الخامس "إف- 35" والدبابات المتطورة، إضافة إلى بحث برنامج سلمي للطاقة النووية، والاستفادة من المعادن النادرة.

تخوض السعودية مرحلة تحول عميق، تهدف لبناء اقتصاد المعرفة الذي يرتكز على الابتكار والتكنولوجيا والشراكات الدولية، ويعتمد على مشاريع كبرى، مثل: تطوير العاصمة الرياض، والاستثمار الضخم في الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والطاقة المتجددة والتعدين، لتكون حجر الأساس لتغيير هياكل اقتصادها، وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، وترسيخ موقعها كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي (النفط الجديد)، لتأمين أحدث الرقائق وأشباه الموصلات وتحديث الصناعات الدفاعية. ولا شك في أن التعاون مع الولايات المتحدة يمهد الطريق لقفزة تكنولوجية وصناعية سعودية، بكل ما لها من رمزية وانعكاسات بعيدة المدى، مقابل استثمارات ربما تقفز إلى تريليون ونصف تريليون دولار في أميركا، وتم توقيع صفقات بنحو 300 مليار دولار بالفعل.

تنص الاتفاقيات الموقعة بين الدولتين على انخراط شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة في شراكة مع السعودية، لتطوير مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، في إطار جهود المملكة لتطوير رأس مالها البشري وصناعاتها التكنولوجية.

لم يتوقف الطموح السعودي عند هذا السقف. تضع الرياض "ضمانتها الكبرى" على الطاولة، وهي ليست تقنيات ذكاء اصطناعي، أو برنامجاً نووياً، أو طائرات "إف 35" فحسب، بل تطالب واشنطن بمعاهدة دفاع مشترك، تشبه الاتفاقية المبرمة مع قطر، بحيث يكون أي هجوم على الرياض بمثابة هجوم على واشنطن. تنظر السعودية إلى أميركا بوصفها القوة العسكرية الأقدر عالمياً، والشريك الاستراتيجي المفضل؛ وبالشراكة معها تستطيع حلحلة ملفات في الشرق الأوسط، ومنها: فلسطين واليمن وسوريا والسودان والنووي الإيراني... بينما تعتبر أميركا التعاون الدفاعي مع المملكة أحد ركائز استراتيجيتها في الإقليم، وسبيلاً للحيلولة دون توفير ملاذ آمن للإرهابيين. ونتيجة لذلك، اتفق الجانبان على اعتبار السعودية "حليفاً رئيسياً" لأميركا من خارج حلف شمال الأطلسي، لترقية الشراكة العسكرية بينهما وتعزيز الحضور الأميركي في الشرق الأوسط، على حساب إيران والصين وروسيا.

بعد قرابة تسعة عقود من التحالف، تظل العلاقات والمصالح بين أميركا والسعودية متشابكة بشكل وثيق. استطاعت أن تتجاوز انتكاسات خطيرة، كأحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، والربيع العربي وغيرهما. وتظهر الخطوط العريضة للاتفاقات الأخيرة بينهما أنهما نسجتا خيوط علاقة استراتيجية، ليس من السهل خلخلتها، وأن المسائل الخلافية لم يعد لها تأثير يذكر. والمرجح أن يظل البلدان متشابكين لعقود مقبلة، في صفقة رابحة لكليهما، بوصفها أحد المحركات الجيوسياسية، والتي سينطبع تأثيرها على وجه الشرق الأوسط!