تونس من حنبعل إلى آخر

كتاب النهار 26-11-2025 | 04:10
تونس من حنبعل إلى آخر
لا يتوقف طموح الرياضي التونسي الى الإنجاز ولو غابت الاعتمادات التي تسمح بتأهيل الملاعب والمسابح ومضامير السباق. يتذكر البعض هنيبعل آخر قال منذ قرون وهو يسعى لعبور جبال الآلب ومحاصرة روما: "لو أني لا أجد طريقاً سالكاً، فسوف أصنع دربي بنفسي".
تونس من حنبعل إلى آخر
من مباراة تونس والبرازيل في ليل...تأثير الرياضة يتجاوز الملاعب
Smaller Bigger

من حين إلى آخر لا تستطيع إلا الإقرار أن الرياضة، وكرة القدم على وجه الخصوص، لهما تأثير يتجاوز بكثير الملاعب التي تحتضنهما.

تجلى ذلك بوضوح خلال مباراة كرة القدم التي جمعت تونس والبرازيل الأسبوع الماضي في مدينة ليل الفرنسية، وانتهت بتعادل أثلج قلوب التونسيين.

بغضّ النظر عن نتيجتها، أظهرت المقابلة كيف يمكن للرياضة أن تبرز صمود الوشائج العاطفية بين تونس ومغتربيها الذين يشكلون أكثر من عُشر سكان البلاد.

هرع هؤلاء بالآلاف إلى ملعب مدينة ليل الفرنسية في جو من الحماسة جعل أحد الصحافيين يكتب أن الملعب بدا "كأنه مستودع للحنين الجماعي".

ولعلها علاقة تتجاوز الحنين بل تفرض على المرء الاعتراف، خصوصاً زمن الأزمات الطاردة لكثيرين من أوطانهم، بأن الشعور بالانتماء لا يتأثر دوماً بالأسباب التي تجعل الناس تخيّر الهجرة على البقاء في بلدانها أو بالوقت الذي يمر على المهاجر وهو في الغربة أو بالجنسية التي قد يكتسبها بعد أن يستقر في الخارج.

من خلال المباراة اجتمعت قلوب التونسيين ومهاجريهم، وإن اختلفت أجيال المغتربين سواء كانوا متفرجين أو لاعبين. أضحى اللاعبون المحترفون المزدوجو الجنسية العمود الفقري للفريق التونسي لكرة القدم (مثلما هي الحال في الجزائر والمغرب). لم يعد وجودهم مسألة هامشية. فمعظم اللاعبين الأساسيين يحمل جنسيات أوروبية بالإضافة إلى الجنسية التونسية التي يكتسبها آلياً الشخص المولود من أم أو أب تونسيين.

خارج ملعب كرة القدم، ساهم وجود اللاعبين المزدوجي الجنسية في تطوير نظرة التونسيين تدريجاً إلى الأجيال الجديدة للهجرة. لم يعد أحد يستغرب من أن أحد أبناء المهاجرين لا يتقن الحديث باللغة العربية أو يحمل اسماً يعكس ثقافة المجتمع الذي احتضنه وترعرع فيه.

اكتشف التونسي العادي تأثير الاندماج الثقافي والاجتماعي على أجيال الهجرة. اضمحلت لديه عقدة كانت تجعله يتخيل الهوية الثقافية للمهاجرين وأسرهم جامدة لا تتغير عبر الأجيال نتيجة عيشهم في مجتمعات غير مجتمعهم الأصلي.

وفي الوقت نفسه، اكتشف أبناء المغتربين أن بإمكانهم العودة إلى الجذور لاعبين أو مشجعين لفريق يمثل بلاد الآباء والأمهات والأجداد.

لكن بعض اللاعبين من مزدوجي الجنسية اكتشف أيضاً، من خلال ظروف اللعب والتدرب، جوانب من المصاعب الاقتصادية التي تمر بها تونس.

في هذا الصدد، لفتت قبل مباراة البرازيل تصريحات أدلى به اللاعب التونسي - الفرنسي حنبعل (هنيبعل) المجبري للصحافيين وقال فيها إن ظروف التدريب "معقدة" حتى إن كان يتفهم أوضاع البلاد (ويقصد بها الأوضاع الاقتصادية). أراد أن يشير بكلامه إلى أن الظروف التي يستعد فيها الفريق الوطني لاستحقاقاته الإفريقية والعربية ولكأس العالم ليست على أحسن ما يرام. من ذلك تدهور أرضية الملعب المعشب في رادس بالعاصمة التونسية، وهو الملعب التونسي الوحيد المؤهل لاحتضان المنافسات القارية والدولية، بشكل يعوق أداء اللاعبين.

لم يتذمر أحد من اللاعبين في اليوم التالي أيضاً لكون أفراد الفريق لم يسافروا إلى مدينة ليل في طائرة خاصة، بل في رحلة جوية عادية حملتهم إلى بروكسيل أولاً ثم من هناك براً نحو وجهتهم الفرنسية.

طرح حنبعل من حيث لا يدري إشكالية دقيقة تواجهها تونس، وهي أن السمعة والقوة الناعمة التي تكتسبها من خلال نجاحات رياضييها تحتاج موازنات لا تتوافر دائماً.

لا يتوقف طموح الرياضي التونسي إلى الإنجاز ولو غابت الاعتمادات التي تسمح بتأهيل الملاعب والمسابح ومضامير السباق. يتذكر البعض "هنيبعل" آخر قال منذ قرون وهو يسعى لعبور جبال الآلب ومحاصرة روما: "لو أني لا أجد طريقاً سالكاً، فسوف أصنع دربي بنفسي".