.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
التفاعل الإسرائيلي-الأميركي مع التقهقر السلطوي في لبنان، بدأ بتوسيع دائرة الغارات في الجنوب والبقاع، ووصل إلى الضاحية الجنوبية مع اغتيال الطبطبائي. والحبل... على الجرار!
كأنّ الزمن اللبناني عاد إلى ما قبل إطلاق إسرائيل عملية "سهام الشمال" ضد "حزب الله" في الأيام الأخيرة من أيلول/سبتمبر 2024. الأجواء نفسها: اغتيالات لقيادات الصف الأول في الحزب في حارة حريك، غارات يومية تستهدف مقاتلين وناشطين في الجنوب والبقاع وحيث ارتأت إسرائيل، تهديدات بحرب واسعة، مناورات وتدريبات، تهيئة نفسية للاسرائيليين، تنسيق مستمر مع القيادة الأميركية، وإحباط يصيب الوسطاء من حل سلمي، أكانوا أميركيين أم عرباً أم أوروبيين!
وأعاد اغتيال الرجل العسكري الأول في "حزب الله" هيثم علي الطبطبائي في حارة حريك، الأحد، هذا الزمن اللبناني إلى تموز/ يوليو، حين تمّ اغتيال من كان في حينه الرجل العسكري الأول في "حزب الله"، فؤاد شكر. جميع دارسي الحرب الأخيرة، يعرفون أن اغتيال شكر كان مفصلياً في التوصل إلى قرار الحرب. صعدت إسرائيل إلى رأس جبل الاعتداءات، حتى تقيس القدرات القصوى المتوافرة لـ"حزب الله". راحت ترصد تحضيرات الرد وأعدت له، بحيث ما إن بدأ الحزب بتحركه الانتقامي، حتى وجد الغالبية الساحقة من منصاته وصواريخه ومسيراته ومدافعه، تحترق بنار هجوم جوي إسرائيلي مرعب. وكان نجاح إسرائيل في احتواء رد الحزب، المدخل الذي فتح أمام حكومتها باب الاندفاع نحو عملية البايجر و"التوكي ووكي" واغتيال كل من الأمينين العامين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، وإعلان بدء عملية "سهام الشمال" التي انتهت بموافقة "حزب الله" على تفاهم وقف العمليات العدائية، على رغم وجود رسالة ضمانات أميركية تسلمتها إسرائيل من الإدارة الأميركية، تعطيها حرية التحرك ضد "حزب الله" في حال حاول إعادة تجميع قواه وتعويض الأسلحة التي خسرها!
لم تكن السلطة اللبنانية الجديدة، تعتقد بإمكان عودة الوقائع إلى ما كانت عليه، عندما كان لبنان بلا رئيس للجمهورية ولا بحكومة مكتملة المواصفات. عندما انتقل العماد جوزف عون من مكتب قائد الجيش إلى مكتب رئيس الجمهورية، ظنّ أنّ مفاتيح الحل باتت بين يديه. وعندما انتقل نواف سلام من مكتب رئيس محكمة العدل الدولية في لاهاي، إلى مكتب رئيس حكومة لبنان في السرايا الكبيرة في بيروت، توهم أنّه استحوذ على المطرقة التي توقف هذا وذاك عند حدهما.
في الواقع، لقد تفاجأ العماد اللبناني والقاضي الدولي، بأن "لبنان من تحت" الذي يختبران تقهقرهما فيه "غير لبنان من فوق" الذي ملآه أحلاماً سيادية في خطاب القسم وفي البيان الوزاري. ودرس الخامس من آب/ أغسطس الماضي كان قاسياً عليهما وعلى اللبنانيين!
في الخامس من آب/ أغسطس اتخذ مجلس الوزراء اللبناني، بعد التفاهم بين عون وسلام، قراراً غير مسبوق بتاريخ لبنان. قرر حصر السلاح بيد الدولة، بمهلة أقصاها نهاية العام الجاري، وكلف قيادة الجيش إعداد خطة، بمهلة أقصاها شهر، من أجل تطبيق هذا القرار الذي لم يتم ربطه بالورقة الأميركية التي أعدها المبعوث الأميركي توم براك، بل باتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزراي. ذُهل اللبنانيون ومعهم المجتمعان العربي والدولي، بوضوح الحكم اللبناني وجرأته. صفق له الجميع. "حزب الله"، وقف ضد هذا القرار، واعتبره استهدافاً للطائفة الشيعية بمجملها، وهدد بخوض معركة كربلائية، دفاعاً عن سلاحه خارج جنوب نهر الليطاني.
وبعد الوصول إلى قمة الجرأة، بدأت السلطة الجديدة، عملية التقهقر. الجيش اللبناني، بما يملك من دالة على اللبنانيين والعرب والغرب، تكفل إيجاد المخرج من قرار الخامس من آب/ أغسطس، فوضع خطة يستحيل أن تخرجه إلى نزع السلاح في شمال نهر الليطاني، لأنه حصر جهده، في المرحلة الأولى، باستكمال انتشاره في جنوب نهر الليطاني، الأمر الذي يقتضي أن تنسحب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها وتوقف اعتداءاتها وتحرر الأسرى. وما كان على مجلس الوزراء إلا الترحيب بخطة نسفت قراره وخصوصاً لجهة التغاضي عن مهلة آخر السنة واعتبارها كأنها لم تكن.
ويبدو أن الجيش اللبناني، بدأ يدفع ثمن توفير هذا المخرج للتنصل من قرار الخامس من آب/ أغسطس. إلغاء مواعيد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في واشنطن، يجد جذوره في هذه المسألة تحديداً.
في كلمة الاستقلال، أخذ رئيس الجمهورية نسف قرار الخامس من آب/ أغسطس على عاتقه، فقدم مبادرة من خمس نقاط ترجئ حصر السلاح بيد الدولة إلى زمن غير محدد بالروزنامة، إذ سوف يلي مفاوضات مع إسرائيل، ووضع برنامج دولي لتسليح الجيش وتمويله، وتوفير تمويل من الخارج، لإعادة الإعمار. وفق مبادرة عون، فإنّ كل ذلك "يضمن تحقيق الهدف الوطني النهائي والثابت، بحصر السلاح بيد الدولة وعلى كامل أراضيها".
التفاعل الإسرائيلي-الأميركي مع هذا التقهقر السلطوي في لبنان، بدأ بتوسيع دائرة الغارات في الجنوب والبقاع، ووصل إلى الضاحية الجنوبية مع اغتيال الطبطبائي. والحبل... على الجرار!