يُشكّل التحوّل الجذري والمصيري في العلاقات الأميركية- السعودية بداية طريق مثيرة لمنطقة الشرق الأوسط، نتيجة تزاوجٍ لافت بين رؤية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث السلم والاستمرار أساس الاستثمار والازدهار في الرؤية وفي الخطة.
يتلاقى البعد العالمي مع البعد الإقليمي مع البعد المحلي في الانعطافة الاستراتيجية الأميركية- السعودية التي نتجت من الزيارة المذهلة لولي العهد السعودي إلى البيت الأبيض حيث استقبله الرئيس الأميركي بصفة الملك المستقبلي للمملكة وكرّمه كرئيس دولة. كثير حدث خلال يومين لزيارةٍ تم الإعداد لها لشهور كي تكون العنوان الساطع لكتاب جديد في العلاقة الاستراتيجية، يرمي بالكتاب القديم في طيات التاريخ واللاعودة، وهو: الشراكة الكفؤة. فإلى أين تتوجه هذه الشراكة؟ ومن الذي ينتفع أو ينزعج منها من اللاعبين الإقليميين والعالميين على السواء؟
النقلة نوعية في هذه الشراكة على صعيد التعاون العسكري والأمني بتصنيف السعودية "حليفاً رئيسياً خارج حلف شمال الأطلسي"، يمنح الرياض مزايا أساسية في التعاون العسكري والدفاعي وفي شراء أسلحة أميركية متقدمة بشروط ميسّرة، وفي إمكان التعاون في إنتاج الأسلحة والأنظمة الدفاعية والمشاركة في مشاريع مشتركة لتطوير التكنولوجيا العسكرية.
تصنيف السعودية دولة حليفة من خارج "الناتو" يسنح الفرصة لتدريبات ومناورات مع الجيش الأميركي ويتيح تبادل المعلومات الاستخبارية وتنسيق العمليات العسكرية. تم توقيع اتفاق الدفاع الاستراتيجي، والشراكة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي، والإطار الاستراتيجي للتعاون في تأمين المعادن وسلاسل إمدادات اليورانيوم، وترتيبات الشراكة المالية والاقتصادية، ومذكرات تفاهم وأطر استراتيجية عدة، وسكك استكمال مفاوضات بشأن التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، كما في إطار العمل الاستراتيجي على تسهيل الإجراءات لتسريع الاستثمارات السعودية وترتيبات الشراكة المالية والاقتصادية.
سعى الوفد السعودي للحصول على ميزات عدة، بعضها بقي رهن المفاوضات المقبلة وبعضها اصطدم بواقع الشروط الأميركية التقليدية وبالذات تلك المتعلقة بمواصفات طائرة F-35. لا شك في أن الموافقة الأميركية على بيع هذه الطائرات للسعودية يدخل في إطار النقلة النوعية في الشراكة. إنما ما أرادته السعودية ولم تحصل عليه هو اقتران هذه الطائرات المتطورة بضمانات أميركية للسعودية على نسق معاهدة الدفاع المشترك، كي لا يكون استخدام هذه الطائرات محصوراً بقوانين صارمة وتفاهمات أميركية- إسرائيلية تقيّد استخدام الطائرات الباهظة الثمن.
مسألة حصول السعودية على ميزات في إطار النووي السلمي انطلقت الى الأمام، إنما ما أرادته السعودية، بحسب قول البروفسور برنارد هيكل القريب من القيادة السعودية على أعلى المستويات، هو أن تضع الولايات المتحدة في قواعدها داخل السعودية سلاحاً نووياً يشكّل ردعاً لاعتداءات على السعودية من أي طرف كان. وبذلك تتوافر الضمانات الأمنية الأميركية المطلوبة. هذا حديث قد يبدأ لاحقاً لكنه ليس جاهزاً لـ"الاستنباض" الآن.
من جهته، بقيت عين الرئيس الأميركي ساهرة على مسألة النفط وآثار الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض على الأسواق النفطية، بعد أن تسيطر الولايات المتحدة على أسواق النفط العالمية حالما تسيطر على فنزويلا، سواءً وافق رئيسها نيكولا مادورو على مغادرتها سلماً الى كولومبيا أو كوبا، أو اقتُلِع بقرار عمليات عسكرية. ترامب يريد فرض انسحاب روسيا من الأسواق النفطية وهو يرى أن السعودية ستستفيد من انخفاض أسعار النفط لأن تكلفة انتاجه النسبية تسمح بالاستفادة. المهم هو الشراكة الكفوءة في مجال النفط ذات الأبعاد الاقتصادية العالمية، وذات التأثير الاستراتيجي عالمياً.
ما حدث في هذه الزيارة من حفاوة ملوكية و"كيمياء" شخصية له دلالات مستقبلية ترافقها مؤسساتية العلاقات الثنائية بصورة غير مسبوقة أمنياً، وعسكرياً، واقتصادياً، وسياسياً، بالذات تصنيفها حليفاً استراتيجياً يقترب من تحالف حلف شمال الأطلسي ليس تطوراً يُستخف بأهميته ودلالاته.
هذه نقلة نوعية مصيرية أثارت امتعاض إسرائيل واللوبي الإسرائيلي في أميركا، لأن العادة جرت لعقود أن تتمتع إسرائيل دوماً بالتفوق العسكري النوعي في الشرق الأوسط، بضمانات وإمدادات أميركية. كان مرفوضاً قطعاً أن توصف أي دولة عربية بأنها تقترب من المرتبة الإسرائيلية لدى الولايات المتحدة الأميركية. كان ممنوعاً أن يقال إن دولة عربية باتت لها علاقات استراتيجية ومكانة التحالف، لأنها حكر على إسرائيل.
اختلف الأمر الآن بعدما دخلت العلاقة الأميركية- السعودية مساراً يتعدى الأهمية والمنافع المتبادلة على الصعيد الثنائي وعلى كل الصعد. الرئيس الأميركي دونالد ترامب لديه طموحات عالمية وهو استوعب أن السعودية هي المفتاح المهم لمنطقة الخليج والشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وأن القيادة السعودية قادرة على مساعدة الرئاسة الأميركية في تحقيق الطموحات الاقليمية وكذلك العالمية.
أوضحت الزيارة أن القيادة السعودية أرست المملكة أمنياً وتحالفياً واقتصادياً وسياسياً في الولايات المتحدة، وأن الرئاسة الأميركية اختارت بدورها المملكة العربية السعودية مرفأً مميّزاً ترسو فيه أميركا. كلاهما نقل العلاقة من ثابتة الى راسخة.
لن يعني ذلك أن السعودية ستعادي الصين لأن هناك مصالح مشتركة بين الدولتين، لكنها لا تدخل المجال الأمني لأن ذلك محجوز للولايات المتحدة. ستستمر السعودية في الاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من الصين خصوصاً أنه أرخص. لكن الانفتاح الأميركي على توفير التكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي المتفوق للسعودية يفيد جداً في استقطاب السعودية، بعيداً من الاعتماد التام على الصين. هذه معادلات مهمّة في التطلعات الاستراتيجية.
استوعبت القيادة السعودية، من جهتها، المفاتيح التي تؤدي الى الرئيس الأميركي، تلك التي ترسو في تحويل أميركا مجدداً الى دولة عظمى MAGA وتتطلب استثمارات التريليون دولار في الولايات المتحدة، وتلك التي تبعده عن سوء معاملة المملكة حتى وهي لا تلبّي مطالبه، على نسق إصراره سابقاً على التحاق السعودية بالاتفاقات الإبراهيمية والتطبيع مع إسرائيل.
نجحت الديبلوماسية السعودية في إثبات جديّة ربطها الاستعداد للتطبيع مع إسرائيل بإقرار إسرائيل حق الفلسطينيين في دولة وخضوعها لحل الدولتين. لم ترضخ للضغوط. فاجأت الذين افترضوا أن تلك مواقف علنية فيما التفاهمات وراء الجدران ستؤدي الى تراجع الرياض عن إصرارها على مبدأ حل الدولتين. حصلت على وعود من الرئيس الأميركي بألاّ يسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية وبألا تعيد إسرائيل احتلال غزة.
هذا لا يعني أن الدولة الفلسطينية ستبصر النور قريباً، أو أن إسرائيل ستوافق على حل الدولتين. القيادة الإسرائيلية الغاضبة من مسيرة العلاقات الأميركية- السعودية، قد ترضخ لإصرار الرئاسة الأميركية على إعلانها بصورة أو أخرى أنها "تدرس" حل الدولتين وتبقي الباب مفتوحاً على دولة فلسطينية من نوع أو آخر.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحتاج إلى الرئيس دونالد ترامب ويواجه إنذارات أميركية لم يعهدها من قبل. هذا جديد على ساحة العلاقات الأميركية- الإسرائيلية. إنما الدائم والثابت هو استمرار العلاقة العضوية بين أميركا وإسرائيل بغض النظر عمّن في البيت الأبيض أو في القيادة الإسرائيلية. والواضح أن ترامب لم يحصل على ضمانات من إسرائيل في شأن حل الدولتين، أو عدم ضم الضفة، أو الالتزام القاطع بوقف النار.
إنما دونالد ترامب دوّل، بحيث يدري أو لا يدري، المسألة الفلسطينية عندما أخذ "خطة ترامب" للسلم في غزة والشرق الأوسط إلى مجلس الأمن الدولي الذي بارك الخطة وبدأ بإنشاء قوة الاستقرار في غزة. زاد ترامب من تدويل مستقبل غزة عندما دعا لانضمام قادة الدول الى "مجلس السلام" الذي يرأسه الى مسيرة جديدة في الشرق الأوسط تنطلق من مسار لدولة فلسطينية، إنما لا تتوقف عندها. أصبحت غزة مشروعاً تهتم به الولايات المتحدة على مستوى الرئاسة وتصر على إنجاحه.
ذلك أن في ذهن الرئيس الأميركي كما في الخطة التي تحمل اسمه، العمل نحو مصير جديد لدول الشرق الأوسط بأكملها بما فيها إيران وإسرائيل وتركيا والدول العربية. وهو يدرك أن رؤية بن سلمان تتلاقى مع خطة ترامب في التطلعات نحو منطقة جديدة نوعياً في الشرق الأوسط.
لذلك حرص الرئيس الأميركي على التكرار أمام ولي العهد السعودي أن إيران تريد التوصل الى إتفاق معه وأنه جاهز للاتفاق. طهران حمّلت الأمير محمد بن سلمان رغبتها في التفاهم مع واشنطن لينقلها إلى الرئاسة الأميركية. يرى كل من الإدارة الأميركية والقيادة الإيرانية أن للسعودية دوراً مميّزاً للوساطة بينهما، غير ذلك الذي تقوم به عمان باستضافتها المفاوضات الأميركية- الإيرانية.
إنما يرى كل من القيادة السعودية والرئاسة الأميركية أن لا مجال لإحراز التقدم ما لم تلتزم القيادة الإيرانية التخلي عن عقيدة الوكلاء، وتحريض أذرعها في لبنان واليمن والعراق على ضرب الاستقرار وتقويض السيادة في هذه البلاد، كما في الدول الخليجية. إضافة بالطبع إلى الشق النووي والشق الصاروخي من هذه العقيدة.
إيران في مأزق كبير، من جفاف الاقتصاد إلى جفاف المياه إلى جفاف قدرات أذرعها مهما كابرت هذه الأذرع، كما يفعل "حزب الله" في لبنان. المبدأ الأساسي للسياسات الأميركية والسعودية في لبنان يقوم على تفاهمٍ ضمني بأن تستمر السعودية في ترغيب الدولة اللبنانية بتنفيذ التزامها نزع سلاح "حزب الله" عبر جزرة دعم الاقتصاد وعودة التبادل التجاري والاستعداد للاستثمار في الإعمار. فيما تستخدم الإدارة الأميركية عصا التنبيه الصارم للدولة اللبنانية الى أن لا مجال أمامها للتلكؤ أو لمسايرة "حزب الله" عبر التملّص من التزماتها نزع سلاحه.
قد ترضى إيران، إذا تمّ الاتفاق بينها وبين الولايات المتحدة، بأن تقنع "حزب الله" بالتخلي عن سلاحه، علماً أن إدارة ترامب أوضحت بصورة لا شك فيها إصرارها على نزع سلاح "حزب الله"، إما على أيدي السلطة اللبنانية، وإما بإعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لتقوم بنزع سلاح الحزب عسكرياً. هامش الثقة بالوعود الإيرانية ضيّق. هامش لجم إسرائيل في لبنان يضيق وخصوصاً أن حبل الخناق يلتف على رقبتها في غزة- لأن غزة مشروع دونالد ترامب الآن.
أما سوريا فإنها أكثر دقة في العلاقة الأميركية- السعودية ونالت حظها من الانتباه أثناء زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن. فهناك في سوريا توجد الأسئلة حول مصير التوجهات السياسية الكبرى في منطقة الشرق الأوسط.
القيادة السعودية تدرك أن العلاقة الأميركية- التركية متفوقة بامتياز ليس فقط لأن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي مما يترتب عليه التزامات عسكرية وأمنية، وإنما أيضاً لأن دونالد ترامب معجب بالرئيس رجب طيب أردوغان ويحبه شخصياً، شأنه شأن مبعوثه إلى سوريا توم برّاك.
واضح للسعودية كما لكل دول الخليج أن إدارة ترامب سلّمت مفاتيح سوريا إلى تركيا، بموافقة ضمنية من إسرائيل وإن كانت على مضض. إنما السؤال الذي لا إجابة واضحة عليه هو، هل حسمت إدارة ترامب موقفها من جماعة "الإخوان المسلمين" في اتجاه دعم نهضتهم مجدداً عبر تركيا أردوغان وسوريا أحمد الشرع بسيطرة لها بُعد اقليمي فائق الأهمية في موازين القوى الاقليمية؟ أم أن مصر والأردن تمكنتا من إقناع إدارة ترامب بأن إقصاء حركة "حماس" إلى مصر والأردن مشروع عاطل لهما يعني ضرب الاستقرار وإمكان اطاحة الحكمين في البلدين؟
إدارة دونالد ترامب تبدو في صدد تبنّي ما يسمى محور تركيا- قطر في داخل سوريا، وهذا يذكّر بسياسة إدارة باراك أوباما عندما تبنّى مشروع "الإخوان المسلمين" في مصر وشمال أفريقيا وفشل في تطبيقه في سوريا. الدول الخليجية العربية عانت كثيراً من سياسات باراك أوباما كما دفعت دول عربية عدة ثمن تلك السياسات.
يقظة قيادات عربية عدة حيال إمكان إحياء مشروع "الإخوان" في الدول العربية بقرار تركي تدعمه إدارة ترامب، دفعتها إلى أسلوب جديد في مواجهة هذا الخطر. أسلوب الاحتضان اللطيف والترغيب بشتى الوسائل... لعل الرئيس الأميركي يستوعب هذه المسألة المصيرية. وهذا سر في براعة الديبلوماسية السعودية.