كيف تبيع "ستاربكس" الماء في حارة السقائين

كتاب النهار 22-11-2025 | 06:37
كيف تبيع "ستاربكس" الماء في حارة السقائين
لست شخصياً من عشاق سلسلة المقاهي هذه، ولكني ما إن أرى أحداً يتكئ بكسل على تقاليده العريقة في أي مجال كان، ويعتقد بثقة مفرطة بأنه سيستحيل تجاوزها، حتى أود إخباره ضاحكة عما تفعله "ستاربكس" الشابة في قلب إيطاليا.
كيف تبيع "ستاربكس" الماء في حارة السقائين
بقدوم "ستاربكس"، اكتشف بعض الطليان -لا سيما شبّانهم- حاجتهم إلى شيء مختلف.
Smaller Bigger

حينما دخلت "ستاربكس"، سلسلة المقاهي العالمية الشهيرة، السوق الإيطالية في 2018 بافتتاح فرع في ميلانو، توقّع الجميع لها الفشل الأسطوري الذريع، والخروج المذل بخفي حنين. وكان ذلك منطقياً، أولاً لأن لإيطاليا تقاليدها العريقة جداً في القهوة، حتى إن "كافيه فلوريان" في البندقية، وهو أقدم مقاهي البلاد، يعود تأسيسه إلى 1720، فكان الأمر أشبه بأن تحاول "ستاربكس" الساذجة بيع القهوة في حارة القهوجية. وثانياً، لم يفرش الطليان سجادتهم الحمراء لسلسلة المقاهي، بل نددوا بها كما لو كانت دولة غازية، واعتبروها تهديداً لإرثهم العظيم. والطليان عموماً شعب يأخذ مأكله ومشربه على محمل الجدية البالغة، ومن شاء اختبار ذلك، فليغامر بطلب كوب من "الكابوتشينو" هناك بعد الـ11 صباحاً.

ونحن اليوم في 2025، حيث ارتبط اسم "ستاربكس" على مدار العامين الماضيين بتقارير الخسائر، والتراجع، والإغلاقات، وتسريح الموظفين. ولكن وسط كل تلك العتمة، احتفلت "ستاربكس" أخيراً بافتتاح الفرع رقم 50 لها في إيطاليا، ما يدل على صمودها رغم كل النبوءات القوية بالإخفاق، بل وربما نجاحها. فماذا حدث؟

ثمة سبب لتسمية المقاهي التقليدية في إيطاليا بـ"الحانات". تدخل، وقد تجد تلك المقاعد العالية المنفردة غير المريحة، ولكنك على الأغلب لن تجدها، فالشائع هو أن تظل واقفاً مثل عمود الإنارة. يضع القهوجي "الإسبريسو" أمامك على المنضدة، فتنهي قهوتك في رشفات قليلة متتابعة، وتترك له بضعة قطع من "اليورو"، وتغادر مستأنفاً يومك.

"العملية" بأكملها مصممة لأن تتم في أسرع وقت ممكن، وقد سمعت ممن زاروا إيطاليا بأنك إذا مكثت لـ10 دقائق، يبدأ القهوجي في التبرم منك وكأنك تقف فوق أضلاعه! وتذكّر دائماً بأنك في ديار المافيا، فلا تقلل أدبك أكثر وتطلب كوبا ورقياً لأخذ قهوتك معك.

استمر هذا النموذج الإيطالي للمقاهي، فهو عملي وديناميكي وسريع. ولكن بقدوم "ستاربكس"، اكتشف بعض الطليان -لا سيما شبّانهم- حاجتهم إلى شيء مختلف.

اكتشفوا أنهم في الواقع يريدون المقاعد الباعثة على الاسترخاء، والكنبات الوثيرة. إنهم يريدون مكاناً يشعرون فيه بالترحاب والضيافة، ويحثهم على الجلوس، وكأنه يدعوهم -على النقيض تماماً- لأن يبقوا لأطول وقت ممكن. اكتشفوا أنهم يريدون مقهى للتسكع فيه، أو للقاء الأصدقاء والزملاء، أو للعمل، أو للقراءة، ويحتاجون إلى مقهى "يتسامح" مع الحاسوب المحمول والجهاز اللوحي، ويوفّر لهم الاتصال المجاني بالإنترنت، ولا ينظر إليهم شزراً. وربما اكتشفوا رغبتهم أيضاً في قهوجي لا "يحسب عليهم أنفاسهم"، ولا يزعجه وجودهم بالساعات، ولا يكترث سواء انكبوا على تأليف رواية، أو تداولوا الأسهم.

لست شخصياً من عشاق سلسلة المقاهي هذه، ولكني ما إن أرى أحداً يتكئ بكسل على تقاليده العريقة في أي مجال كان، بدءاً من الصناعة ومروراً بالرياضة وانتهاء بالفنون، ويعتقد بثقة مفرطة بأنه سيستحيل تجاوزها، حتى أود إخباره ضاحكة عما تفعله "ستاربكس" الشابة في قلب إيطاليا.