سوريا الجديدة إزاء التحدي الإسرائيلي

كتاب النهار 21-11-2025 | 03:50
سوريا الجديدة إزاء التحدي الإسرائيلي
إسرائيل، التي تحاول أن تبدو متجبرة، إزاء الفلسطينيين وإزاء سوريا ولبنان، هي مستفزة، وقلقة، وحائرة، أيضاً، إذ إن ذلك التجبّر، رغم الدعم الأميركي اللامحدود، يحجب خلفه مخاوف إسرائيلية ناجمة عن تغيّر الواقع الدولي، والإقليمي والعربي.
سوريا الجديدة إزاء التحدي الإسرائيلي
الصورة من مركز التنسيق المدني العسكري بقيادة الولايات المتحدة في بلدة كريات غات جنوب إسرائيل. (أ ف ب)
Smaller Bigger

يأتي دخول رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، برفقة وزير خارجيته يسرائيل كاتس، ووزير دفاعه جدعون ساعر، إضافة إلى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، المنطقة العازلة في الأراضي السورية، اتساقاً مع طبيعة إسرائيل العدوانية إزاء محيطها، وهو ما تفعله أيضاً، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي لبنان.

بيد أن تلك الخطوة تأتي، أيضاً، في إطار سعي إسرائيل إلى تحدّي سوريا الجديدة، أولاً، عبر سعيها الى فرض منطقة منزوعة السلاح، من حدودها وصولاً إلى ريف دمشق، بدعوى "أمنها القومي". وثانياً، التدخل في الشأن السوري، بدعوى "حماية الأقليات" في محاولة لفرض دولة هوياتية، طائفية وإثنية، على غرار إسرائيل، كدولة يهودية. ثالثاً، الحؤول دون استقرار سوريا، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، باعتبار أن سوريا بلد مفتاحي، ومركزي، ومؤثر، في الشرق الأوسط، يفترض منها إبقاءه في حال من الاستنزاف والضعف.

ما يفترض إدراكه هنا أن إسرائيل، التي تحاول أن تبدو متجبرة، إزاء الفلسطينيين وإزاء سوريا ولبنان، هي مستفزة، وقلقة، وحائرة، أيضاً، إذ إن ذلك التجبّر، رغم الدعم الأميركي اللامحدود، يحجب خلفه مخاوف إسرائيلية ناجمة عن تغيّر الواقع الدولي، والإقليمي والعربي.

وفي الواقع، فإن كل ما تقدم يشمل خشية إسرائيل من انبثاق العديد من المسارات، والمخاطر، أخيراً، ضمنها، أولاً، انحسار صورة إسرائيل على الصعيد الدولي، وظهورها دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودولة إبادة جماعية، وعبء سياسي واقتصادي وأمني على الدول الحليفة، وحتى على مجتمعات اليهود في العالم. ثانياً، تنامي مسار نزع الشرعية عن إسرائيل وعزلها ونبذها، خصوصاً على صعيد حكومات الدول الغربية ومجتمعاتها، كما بدا في التصويت على قرارات مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، وفي التظاهرات في عواصم تلك الدول ومدنها. وهذا ما يتماثل مع حالة عزل النظام العنصري في جنوب إفريقيا سابقاً ونبذه. ثالثاً، ظهور إسرائيل دولة تابعة للولايات المتحدة، إذ الرئيس ترامب بات يصدر الأوامر للحكومة الإسرائيلية، بشأن الحرب، ووقف الحرب، وبشأن ما يحصل في غزة، ومستقبل الفلسطينيين. رابعاً، تواجه إسرائيل استحقاقاً طالما تهربت منه، بدعم أميركي، يتمثل بتدويل القضية الفلسطينية، وهذا ما حصل مع قرار مجلس الأمن الدولي (2803، 17/11/2025)، علماً أن ثمة قراراً سابقاً لذلك (2397، لعام 2002) في عهد الرئيس بوش الابن، نص صراحة على حق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة لهم. خامساً، ما يفاقم الوضع بالنسبة لإسرائيل تغير الموقف الأميركي، من الاعتمادية المطلقة على إسرائيل، في الترتيبات الإقليمية في الشرق الأوسط، إلى الاعتماد على دول أخرى، على حسابها، وهو ما يلاحظ في إرساء الولايات المتحدة علاقات متميزة مع المملكة العربية السعودية، ومع تركيا، والاعتماد عليهما في الشؤون الشرق أوسطية، وبخاصة في الشأنين السوري والفلسطيني.

القصد من هذا العرض لفت الانتباه إلى أن التجبر، أو التحدي، الإسرائيلي لسوريا، إنما يستهدف صد كل تلك المتغيرات، أو كمحاولة لاستباقها، باعتبار مكانة سوريا المفتاحية في الشرق الأوسط، بخاصة أن القيادة السورية الانتقالية باتت تحظى بشرعية، وقبول عربي وإقليمي ودولي، من شأنه تعزيز مكانتها، داخلياً وخارجياً، وتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني فيها، رغم كل الثغرات الموجودة.

ما تقدم يفتح على مسألة أخرى، ينبغي ملاحظتها، إذ إن إسرائيل التي تصرّ على استدراج الآخرين إلى مربع الصراع العسكري، واختزال قضايا المنطقة بالأمن، باتت تشعر أنها في مواجهة أوضاع مختلفة، فعدا محاولة الولايات المتحدة أخذ زمام المبادرة بشأن الترتيبات الجديدة في الشرق الأوسط، على حسابها، إلى حد ما، فإن الأطراف العربية المعنية باتت تنتهج خطاً آخر، يتأسس على الاستثمار في المباراة في مجالات الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، والقوة المالية، علماً أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بشكله العسكري، انتهى دولتياً منذ حرب تشرين الأول/أكتوبر (1973).

تبعاً لهذه الظروف والمعطيات الدولية والعربية، وبالنظر إلى غياب أي قدرات عسكرية سورية، إذ قامت إسرائيل بتدميرها، بعيد انهيار النظام السابق، فإن سوريا اليوم معنية بالاعتماد على الشرعية العربية والدولية، مع التمسك بحقها في استعادة هضبة الجولان السورية، المحتلة منذ ستة عقود تقريباً، وفي العودة إلى اتفاق وقف النار لعام 1974، وعدم النزول عن هذا السقف، مع الاستناد إلى الحاضنة العربية والدولية في شأن القضية الفلسطينية.

مع ذلك، فإن أهم سلاح تحتاجه سوريا، في هذه الظروف، هو ترسيخ حال الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، وتعزيز الثقة بين كل السوريين، كمواطنين أحرار ومتساوين، وبناء دولة المؤسسات والقانون، فهذا هو السلاح الذي يمكن أن يصد إسرائيل، وأن يقوي سوريا إزاء التحديات الإسرائيلية، على كل الصعد.

في المعطيات الدولية الراهنة، ودروس الحقبة الماضية، فإن الصراع العسكري هو المربع الذي يريح إسرائيل، كونها تتفوق فيه، وكونه يكفل تعزيز الإجماعات الداخلية فيها، والتعاطف الدولي معها، لذا يفترض البحث عن طرق أخرى، أكثر تأثيراً وجدوى في هذا الصراع الطويل والمرير ضد إسرائيل، كدولة استيطانية واستعمارية وعدوانية وعنصرية في المنطقة.