أزمة حكام أم محكومين... السودان وذبح "الأبقار المقدسة"!

كتاب النهار 19-11-2025 | 04:23
أزمة حكام أم محكومين... السودان وذبح "الأبقار المقدسة"!
تضيع الأوطان، عندما ينطفئ سراج العقل، وتغلق الأبواب أمام نبض الجماهير، فتشتعل نار الجنون وتخرج الأشباح من شقوق الخرائط، ساعتها لا الاستغاثات تُلبى، ولا الدموع تنفع، ولا المراثي تجدي، وهذا ما حدث في السودان منذ الاستقلال حتى اليوم.
أزمة حكام أم محكومين... السودان وذبح "الأبقار المقدسة"!
الخروج من الدائرة المفرغة في السودان يستدعي إعادة تأسيس العقد الاجتماعي على أسس المواطنة (أ ف ب)
Smaller Bigger

تضيع الأوطان، عندما ينطفئ سراج العقل، وتغلق الأبواب أمام نبض الجماهير، فتشتعل نار الجنون وتخرج الأشباح من شقوق الخرائط، ساعتها لا الاستغاثات تُلبى، ولا الدموع تنفع، ولا المراثي تجدي، وهذا ما حدث في السودان منذ الاستقلال حتى اليوم. صحيح أن الأصابع الخارجية كان لها دور في وصول البلاد إلى المشهد الراهن، لكن الدور الأكبر يرجع إلى عوامل داخلية أبعد أثراً وأشد خطراً.

في كتابه "الرؤية السودانية: إنتاج الفشل... لماذا نحن هنا؟" يحاول الكاتب السوداني عمرو عباس تشريح الأزمة الهيكلية في بلاده، باحثاً عن البنى الداخلية المسؤولة عن "إنتاج الفشل" المزمن وتكريسه، وهو يرى أن هذا الفشل ليس نتاجاً لعوامل خارجية فحسب، بل محصلة لنظام متكامل من الممارسات والعلاقات والهياكل الاجتماعية - السياسية -  الاقتصادية التي تعيد إنتاج التخلف والصراعات، وفي مقدم تلك البنى "هشاشة الدولة". يوضح عباس أن طبيعة الدولة السودانية ما بعد الاستقلال لم تتطور إلى دولة مواطنة مؤسسية، بل بقيت دولة "زمرة" تسيطر على موارد البلاد وتقصي الآخرين، ما أدى إلى صراع مرير على السلطة والثروة، ليس كمسألة سياسية فحسب، بل كمسألة وجودية للجماعات المتنافسة، وقاد إلى غياب التوافق على الهوية الوطنية (عربية-إفريقية، إسلامية-علمانية)، وبالتالي استمرار الحروب.

العامل الثاني هو الاقتصاد الريعي وثقافة الريع، فالاقتصاد السوداني تابع ريعي طفيلي، يخدم النخبة الحاكمة على حساب التنمية، يعتمد على تصدير سلع أولية، مع ضعف القطاعات الإنتاجية وتكريس ثقافة الريع (الكسب بلا جهد)، ما شجع الفساد والمحسوبية، بالإضافة إلى أن سياسات التحرير الاقتصادي غير المدروس، دفعت بأعداد هائلة من السكان نحو الفقر والهجرة إلى المدن والمناطق الطرفية، فازدادت الضغوط الاجتماعية والصراعات على الأرض والموارد.

عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في توظيف الهويات الإثنية والثقافية أدوات في الصراع السياسي والاقتصادي، فصار التنوع الهوياتي والثقافي خطوط تماس للصراع والعنف، مدعومة بخطاب إقصائي وسياسات تمييزية، من المركز النيلي حيال الأطراف، بينما فشلت النخب الحاكمة المتعاقبة، على اختلاف انتماءاتها أو شعاراتها (قومية، إسلامية، ديموقراطية)، في بناء مشروع وطني جامع. كذلك عجز المثقفون عن تقديم حلول أو التأثير في مسار الأحداث، كل ذلك أفضى إلى بنية دولة بالسودان مكروهة في ذاتها، من جانب طيف واسع من أبنائها.

ويستنتج عمرو عباس أن السودان يعاني "أزمة نظام" وليس مجرد أزمة حكام. نظام قائم على اقتصاد ريعي، وهياكل دولة هشة، وعلاقات اجتماعية مشحونة بالصراع، وثقافة سياسية إقصائية، تنتج حالة التدهور والصراع، وتذبح كل الأبقار المقدسة على مذبح الكراهية، وتعيد إنتاج الفشل والنزاعات.

في السياق نفسه، يوسع الكاتب السوداني الهادي عبدالله أبو ضفائر زاوية الرؤية حيال الأزمات الهيكلية في المشهد، إذ يؤكد أن السودان لم يكن أرضاً قاحلة في خريطة التحول السياسي؛ تعاقبت عليه حكومات ديموقراطية وديكتاتورية وثورات شعبية وتحولات انتقالية، لكن المفارقة المؤلمة أن أياً من هذه التغيرات لم ينجح في بناء دولة مستقرة، بل أعادت إنتاج الفشل نفسه بأدوات مختلفة؛ فالأزمة ليست في السياسة وحدها، ولا في "الحكام" وحدهم، بل في طبيعة المجتمع نفسه، بمعنى أن جوهر الأزمة ليس في طرائق الحكم فحسب، بل في ماهية المجتمع، في أبنيته الأخلاقية والمعرفية، في وعيه بذاته وبمصيره. إن المجتمع السوداني رغم ثرائه وتنوعه، يظل هشاً بلا أرضية صلبة، بلا عقد اجتماعي يجمعه، بلا رؤية جامعة للدولة، وبلا تعريف مشترك لهويته، لهذا كلما جاءت نخبة إلى الحكم - مهما تكن خلفيتها - اصطدمت بجدار صلب من التشظي المجتمعي والتعقيد الثقافي. دوماً يجري الحديث عن الديموقراطية، والعسكريين والمدنيين، والمركز والهامش، لكنها نقاشات تفترض وجود مجتمع مستقر، بينما نحن في الواقع أمام بنية اجتماعية مهزوزة، هوية مبعثرة ودولة غائبة، القبيلة فيها ليست رابطة تجمع الناس على المودة، بل صارت سلطة ومؤسسة، والطائفية لم تعد انتماء روحانياً وحسب، بل كيان سياسي يُرسم به المصير. أما الانتسابات المناطقية، فصارت بوابة للمظلومية والابتزاز وميداناً لصراع النفوذ، بالإضافة إلى التمييز اللغوي والثقافي الذي يزرع في البعض شعوراً بالدونية. الأسوأ أن العنف بات اللغة الوحيدة التي يحسم بها السودانيون خلافاتهم، مع تواري الحوار والتفاهم.

هكذا يتبدى أن العوامل الداخلية - من دون إغفال الخارجية - هي التي قادت إلى الأزمة المزمنة في السودان منذ الاستقلال حتى اليوم، ومن ثمّ على السودانيين أن يعلموا أن "الحلول الترقيعية" محكوم عليها بالفشل، ما لم تعالج الأسباب الحقيقية للمشكلات. ولأن السياسة تنطوي على تضارب المصالح والرؤى والانتماءات، ينبغي على النخب المختلفة أن تنصت باهتمام لصوت الناس والمجتمع، فالخروج من الدائرة المفرغة، يستدعي إعادة تأسيس العقد الاجتماعي، على أسس المواطنة، وبناء دولة المؤسسات، والتحول من الاقتصاد الريعي إلى الإنتاجي، وإجراء مصالحة حقيقية مع الهوية المتعددة، وإلا قل على السودان السلام!