هل إطلاق الكاتب صنصال "شرط وحيد" لنفخ الحياة في العلاقات الفرنسية - الجزائرية؟

كتاب النهار 18-11-2025 | 04:06
هل إطلاق الكاتب صنصال "شرط وحيد" لنفخ الحياة في العلاقات الفرنسية - الجزائرية؟
بعد إطلاق السلطات الجزائرية الكاتب والروائي الفرنكوفوني بوعلام صنصال من السجن، يعتقد عدد معتبر من المحللين السياسيين الجزائريين أن بوابات العلاقات الجزائرية - الفرنسية لن تفتح على مصراعيها بالسرعة التي يتخيلها كثير من المراقبين الرومانسيين نظراً الى تشابك المشكلات القائمة بين البلدين وتعقيداتها.
هل إطلاق الكاتب صنصال "شرط وحيد" لنفخ الحياة في العلاقات الفرنسية - الجزائرية؟
الكاتب والروائي الفرنكوفوني بوعلام صنصال (أ ف ب)
Smaller Bigger

بعد إطلاق السلطات الجزائرية الكاتب والروائي الفرنكوفوني بوعلام صنصال من السجن، تلبية لطلب العفو الذي تقدم به الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير إلى نظيره الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، يعتقد عدد معتبر من المحللين السياسيين الجزائريين أن بوابات العلاقات الجزائرية - الفرنسية لن تفتح على مصراعيها بالسرعة التي يتخيلها كثير من المراقبين الرومانسيين نظراً الى تشابك المشكلات القائمة بين البلدين وتعقيداتها.

وفي الواقع، فإن إيداع صنصال السجن جراء تصريحاته التي اعتبرت مساساً بأمن الجزائر وحدودها ومكانتها التاريخية كدولة سواء قبل الاحتلال الفرنسي أو بعده، ليس سوى هبَة ريح عابرة نفخت في جمر التناقضات والخلافات القديمة الجديدة بين البلدين، خصوصاً أن هذه الحالة الفردية يمثلها كاتب ليس له عمق ونفوذ سياسي شعبي، أو انتماء عضوي إلى أي حزب له تأثير في الجزائر.

في هذا السياق، يرى مؤرخون جزائريون أن جوهر المشكل الذي ما فتئ يسمم العلاقات الفرنسية - الجزائرية تصعب معالجته بالتمنيات لأنه يتميز بالتراكم وتعدد المفاصل والتفاصيل، الخاصة بالإرث الكولونيالي الفرنسي المادي والمعنوي والنفسي الذي ما فتئ يطفو باستمرار كلما حاول البلدان فتح نافذة ضيقة للنظر في ملفاته الكثيرة والمعقدة.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أمور أساسية عدة ساهمت ولا تزال تساهم في خلط أوراق العلاقات الجزائرية - الفرنسية مثل عدم ارتياح فرنسا الدائم الى الخطوات التي تخطوها الجزائر على طريق فك ارتباطها بتداعيات سرديات الكولونيالية الفرنسية ورمزياتها، كسعي الحكومات الفرنسية المتعاقبة إلى التدخل من أجل الإبقاء على هيمنة اللغة الفرنسية على مستوى المنظومة الإعلامية والتعليمية والمحيط العام على حساب الهوية اللغوية العربية والأمازيغية.

وفي هذا الصدد، يطفو إلى السطح أيضاً التذمر الفرنسي من فتح الجزائر منظومتها التربوية للغات أخرى ولاسيما منها الإنكليزية الأمر الذي تعتبره الإدارة الفرنسية منذ الاستقلال حتى عهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بمثابة برنامج يستهدف مسح الوجود الثقافي الفرنسي في الجزائر.

وهنا ينبغي التلميح إلى عامل آخر لا يقل أهمية وهو مماطلة فرنسا المنهجية من أجل "تنويم" ملف "الذاكرة التاريخية" للعهد الاستعماري الفرنسي في الجزائر، ويلاحظ المرء في هذا الصدد أن الإدارة الفرنسية قد ترجمت هذه المماطلة بأساليب متنوعة، مثل اتباع سياسات تكرّس التسويف والتأجيل لأي حوار منشود حول هذا الموضوع الذي ما فتئ ينتظره الجزائريون.

وزيادة على ما تقدم، فإن إدارة فرنسا قد أدارت ظهرها لمطلب الجزائر المتمثل في دعوتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة إلى الاعتراف بجرائم الجيش الفرنسي في الجزائر أسوة بما فعله بعض الدول الاستعمارية في الضفة الأوروبية، وتقديم التعويضات المادية إلى الجزائريين المتضررين من التجارب النووية الفرنسية التي أجرتها باريس مراراً في الصحراء الجزائرية، وتنظيف المنطقة من الإشعاعات الذرية التي لا تزال تهدد الأمن الصحي للبيئة ولسكان المدن والقرى الصحراوية المجاورة. ومن هنا، فإن انسداد الحوار بين الجزائر وفرنسا لن يفتح إلا بحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي صدَرها ميراث "النسق" الكولونيالي إلى حاضر العلاقات بين البلدين.

وفي هذا الصدد، يضيف المراقبون السياسيون إلى هذا الملف الشائك سلسلة تدخلات فرنسا في القضايا الخاصة بمنطقة شمال أفريقيا، وبفضاء الساحل الأفريقي وغيرها من المسائل التي تعتبرها الجزائر استمراراً لسلوك فرنسا الكولونيالي القديم الذي وصفه يوماً الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو- بونتي بقوله: "لقد أطفأت الحرب في الجزائر فجر الفهم".