شيء عن الفوضى وتحديث "سايكس بيكو"

كتاب النهار 15-11-2025 | 06:22
شيء عن الفوضى وتحديث "سايكس بيكو"
إعادة تدوير "سايكس بيكو" وتحديث دورها، وتطويع جغرافية الشام القلقة للنفوذ الإسرائيلي جنوباً، مع حصة محفوظة دائماً لتركيا الجديدة في الشمال، وتهيئة دور مختلف، لم يتموضع بعد في الخطة ولكنه يتشكل، للنظام الجديد في سوريا، هذا ما يحدث الآن.
شيء عن الفوضى وتحديث "سايكس بيكو"
عندما يقول نتنياهو إنه سيغير وجه الشرق الأوسط, فالمقصود هو إعادة رسم خطوط "سايكس بيكو”. (أ ف ب)
Smaller Bigger

ليس ثمة يقين في مشهد الشرق الأوسط الآن، المقصود هنا في بلاد الشام، المثلث الذي رسمته اتفاقية "سايكس بيكو" في مطالع القرن الماضي، سوريا، لبنان، فلسطين، الخطوط التي فرضتها مصالح الدولتين الاستعماريتين ومساومات الوزيرين، وهما يجردان ممتلكات الإمبراطورية العثمانية المنهارة ويعيدان طيّها.

الاتفاقية التي هيأت الأرض لنفوذ الإمبراطوريتين وإعادة تشكيلها عبر ملاحق خاصة، وتعديلات في الخرائط خلال عقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي.

الملحق البريطاني للاتفاقية كان "وعد بلفور"، بما يعنيه من تفريغ فلسطين من سكانها وإنشاء إسرائيل في المركز الشامي تماماً، وتقسيم ما بقي منها بعد "النكبة" بين إسرائيل وجيرانها، حيث اختفت فلسطين عن الخارطة السياسية لأكثر من عقد ونصف قبل أن تعود للظهور من جديد، بينما الملحق الفرنسي ذهب أبعد من ذلك عبر تقسيم سوريا واقتطاع أجزاء كبيرة من الشمال ودفعها نحو تركيا الجديدة بزعامة أتاتورك، شمال حلب وخليج الإسكندرون. للمتأمل تبدو تلك المقايضة الاستعمارية، سواء عبر المساحة الجغرافية والسكانية مأساة لا تختلف كثيراً عن النكبة الفلسطينية، لقد تم اقتلاع المجتمعات السورية، العلويين سكان الساحل بشكل خاص، وتقديمهم للدولة التركية الجديدة.

هذه الاتفاقية هي ما يعاد النظر فيه الآن، لقد استنفذت على نحو لم يعد ممكناً الاحتفاظ ببنودها، ثمة عالم جديد يحاول الصعود من كل هذه الفوضى؛ إعادة رسم الخطوط بما يتلاءم مع نشوء القوى خلال النصف الثاني من القرن الماضي.

قد يبدو للوهلة الأولى كلاماً عاماً، أو مبالغة في قراءة الإشارات، ولكن الأمر، بقليل من التأمل، يتجاوز الاسترخاء في الخرائط والحدود والمسلمات التي نشأت خلال العقود الأخيرة، ويذهب مباشرة إلى الحقائق التي تحاول أن تتقدم على الأرض أو تلك التي تتهيأ عبر الفوضى. الأمر أن إسرائيل التي نشأت على أرضية الاتفاقية، تحاول الآن، عبر فائض القوة وفائض الأيديولوجيا، الخروج نحو الإقليم، مستثمرة هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، عبر الشروع في حرب "تغيير وجه الشرق الأوسط".

عندما يقول نتنياهو إنه سيغير وجه الشرق الأوسط، عندما يحول ذلك إلى الهدف الجامع للأهداف الجانبية التي ستؤدي للغاية الرئيسية من مروحة الحروب التي يحافظ على اشتعالها، وعندما يواصل وزراؤه ترديد ذلك في كل مناسبة، من وزير الدفاع المقال غالنت إلى وزير الحرب الدمية كاتس ووزراء الصهيونية الدينية بنغفير وسموتريتش، وصولاً إلى المعارضة المروضة في إسرائيل، فالمقصود هو إعادة رسم خطوط "سايكس بيكو" ونقلها، برعاية أميركية هذه المرة، إلى جغرافيا جديدة.

الأمر بالنسبة لليمين الصهيوني الديني الذي يتحكم في إسرائيل، أبعد من نزع سلاح "حماس" في غزة. ترامب في تصريحاته كان أكثر وضوحاً عندما اعتبر أن "حماس" جزء صغير من "الخطة"، أو نزع سلاح "حزب الله" في لبنان، الذي تحول إلى ذريعة لاستنزاف الدولة وإضعاف النظام ودفع الجميع نحو الحائط، وهذا يشمل اللغة المتغطرسة ونبرة التهديد الفجة التي يستخدمها الوسيط الأميركي براك والمبعوثة أورتاغوس. هذه وسائل أقرب إلى الذرائع، رغم أهميتها بالنسبة لحواضن اليمين في إسرائيل، ولكنه، اليمين، معني بتفكيك لبنان كدولة مستقلة ونظام مستقر بحاضرة ثقافية تعددية منفتحة مثل بيروت، شكلت نموذجاً لمدن الساحل الجنوبي للمتوسط، وتصفية القضية الفلسطينية كمشروع تحرري يشكل منطقة جذب ومحوراً موحداً لتطلعات التغيير لدى شعوب المنطقة.

إعادة تدوير "سايكس بيكو" وتحديث دورها، وتطويع جغرافية الشام القلقة للنفوذ الإسرائيلي جنوباً، مع حصة محفوظة دائماً لتركيا الجديدة في الشمال، وتهيئة دور مختلف، لم يتموضع بعد في الخطة ولكنه يتشكل، للنظام الجديد في سوريا، هذا ما يحدث الآن.