شعوبنا الخليجية وكراهية المشاهير

كتاب النهار 15-11-2025 | 06:13
شعوبنا الخليجية وكراهية المشاهير
ترعرعنا على التعامل مع هذه الفئة بأنفة وكبرياء، قد يكونان مفرطين للأمانة، حتى أننا قد نتظاهر بعدم ملاحظتهم، ونتعمد تجنبهم في الأماكن العامة. 
شعوبنا الخليجية وكراهية المشاهير
تفاعلت المواقع الفنية ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير مع التجمهر حول بيلا حديد في الكويت.
Smaller Bigger

كان عمري حينها 10 أو 11 عاماً، وكنت أجلس مع أبي في متجرنا المفضّل للآيسكريم حينما لاحظ بأن تركيزي كان مشتتاً على غير العادة. لقد كنت أختلس النظرات كل حين إلى طاولة قريبة، خصوصاً أن الشخص الذي كنت ألتفت نحوه كان يجلس على خط موازٍ معي، فأكتفي برؤية أحد جانبي وجهه.

استنكر أبي تحديقي في الغرباء، فهمست له بحماسة الصغار العفوية بأنّي أعتقد بأن ذلك الرجل هو المطرب الإماراتي الشهير "فنان الفناني".

ولأنه "إماراتي جداً"، فلم يرفع أبي عينه عن قهوته، ولم يسدِ إليّ خدمة التحقق من هوية الشخص الجالس هناك، فيخبرني -على الأقل- لو كان "فنان الفناني" فعلاً.

"وإذا؟"، سألني أبي ببرود، ليترك لي قصة مبتورة لا يمكنني التفاخر بها على رفاقي، فالاعتقاد بأنّي رأيت "فنان الفناني" في "هاجن داز" لم يكن كافياً. كان النهوض للسلام عليه، أو طلب توقيعه -فلم تكن كاميرات الهواتف قد اخترعت بعد-، أو التطفّل على نكهته المفضلة من الآيسكريم، أمراً مستحيلاً، لأنّي كنت في حضرة مربٍّ استهجن مجرّد لهفتي الطفولية للتحديق في المشهور.

ولتدركوا مدى إصرار أبي على كبح فضولي، فإنه امتنع طوال مدة جلوسنا حتى عن مجرد إدارة رأسه نحو تلك الطاولة!

من يقرأ هذه الأسطر سيتخيل أبي رجلاً متزمتاً، وهو أبعد ما يكون عن التهمة. وبالمثل، سوف يعتقد بأننا شعوب متزمتة كل من تابع كيف أن زيارة بيلا حديد إلى الكويت ودبي أمست قضية رأي عام في الشارع الخليجي، إذ استنكر العديدون حالة التجمهر والتدافع والصراخ الهستيري من حول عارضة الأزياء فلسطينية الأصول، واعتبروا ما حدث تفاهة وإسفافاً.

وأنا لا أود لأحد من خارج الحدود أن يعتقد بأن هؤلاء الخليجيين المعترضين هم بالضرورة ممن يكرهون حديد، أو يعارضون -بالضرورة- نشاطها في دولنا، أو يحسدون -بالضرورة- نجاحها وثرائها. ولكن موقف الشريحة الأوسع من الخليجيين من المشاهير -بغض النظر عن هوية المشهور- هو موقف أبي من "فنان الفناني" الذي لا أعلم حتى يومنا هذا إن كان جاورنا لتناول الآيسكريم.

ترعرعنا على التعامل مع هذه الفئة بأنفة وكبرياء، قد يكونان مفرطين للأمانة، حتى أننا قد نتظاهر بعدم ملاحظتهم، ونتعمد تجنبهم في الأماكن العامة. والأمر -والله- لا علاقة له بمشاعرنا تجاه المشهور، فمعظم من انتقدوا الحشود في "ذا آيفنيوز" و"مول الإمارات" لا يعرفون حديد أصلاً، ولكنها القناعة بأننا يجب ألا "نذل" أنفسنا للنجوم -وإن اختلفنا حول تعريف الإذلال-، ويجب ألا "نكبّر رؤوسهم" علينا. إننا لا "نرميها واطية" عندهم، بحسب التعبير الشامي.

نعم، قد يبدو ذلك تزمتاً. وقد يبدو الغضب الخليجي من التجمهر حول حديد مبالغاً فيه، ولكنه غضب موجّه "داخلياً" لأفراد مجتمعنا وللمتحلين -كما نظن- بطبائعنا. إنه غضب لا يمسّ أي مشهور، ولا يتعلق بشخصه.