عامٌ على وقف النار والحرب مستمرة

كتاب النهار 11-11-2025 | 05:05
عامٌ على وقف النار والحرب مستمرة
السياسة الإسرائيلية القائمة على الحرب المفتوحة والتغييرية، من غزة إلى لبنان مرورا بالضفة الغربية، ستنعكس في إحداث مزيد من التوترات  والحروب
عامٌ على وقف النار والحرب مستمرة
القصف الإسرائيلي على الجنوب.
Smaller Bigger

بعد أسبوعين، يكون قد مرّ عام على اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، والذي ينص في بدايته على وقف الأعمال العدائية من صباح يوم 27 تشرين الثاني، اليوم التالي لولادة الاتفاق. 
لقد اضطلعت الولايات المتحدة خصوصا ومعها فرنسا بالدور الأساسي في التوصل إلى هذا الاتفاق المولف من 13بندا. وينص في بنده الـ12 على سحب القوات الإسرائيلية تدريجا إلى جنوب الخط الأزرق، وذلك عند بدء وقف الأعمال العدائية وفقا للفقرة الأولى. وتتولى الولايات المتحدة رئاسة ما يعرف بالآلية، وتضم إلى جانبها فرنسا وطرفي الصراع و"اليونيفيل". 
تتولى الآلية المراقبة والتحقق والمساعدة في ضمان تنفيذ ما اتفق عليه. ما حصل حتى الآن، أن إسرائيل احتلت بعد توقيع الاتفاق نقاطا خمسا جديدة في الأراضي اللبنانية ذات "أهمية استراتيجية" من المنظور الإسرائيلي. واستمرت في عدوانها على لبنان في مسار تصعيدي مفتوح في الزمان  والمكان، وغيرت في قواعد الاشتباك من خلال إسقاط قاعدة تحييد المدنيين في حربها، كما تدل كل المؤشرات. وقد أكد استراتيجية التصعيد المجلس الوزاري الأمني المصغر في اجتماعه قبل أيام، من خلال قراره تكثيف الهجمات وتوسيع بنك الأهداف.
في ظل هذا التصعيد، دعت فرنسا وكذلك الاتحاد الأوروبي، إسرائيل إلى الانسحاب من النقاط الخمس، ودانت الضربات الإسرائيلية ودعت إلى وقفها. شكّل ذلك بداية ولو متأخرة، ولكن ضرورية لموقف يجب أن يتحول إلى حافز ومحرك ودافع لقوى وأطراف دولية أخرى للذهاب في هذا الاتجاه بغية ممارسة الضغط الضروري لتغيير الموقف الإسرائيلي نحو التقيد باتفاق وقف النار كلّيا.
الموقف الأميركي يبقى هو الحاسم في هذا الإطار، فهل يستمر في تغطية الموقف الإسرائيلي من خلال عدم إبداء أيّ معارضة أو تحفظ عما تقوم به إسرائيل، أو أن واشنطن قد تجد، ولو بعد عام من الزمن، أن عدم إيقاف هذه السياسة الإسرائيلية يعني الذهاب نحو المجهول، بما يؤدي إلى إشعال مزيد من الحرائق في منطقة تعيش على صفيح ساخن؟ حرائق قد تؤدي إلى تعطيل "استراتيجيات كبرى" لواشنطن، كما نسمع ونقرأ، لإعادة ترتيب المنطقة أو لإحداث تحولات أساسية في علاقة القوى في الإقليم.
السياسة الإسرائيلية القائمة على الحرب المفتوحة والتغييرية، من غزة إلى لبنان مرورا بالضفة الغربية، ستنعكس في إحداث مزيد من التوترات  والحروب بأشكال وعناوين مختلفة لا تخدم الاستقرار في المنطقة، بل قد توظف في صراعات قائمة أو عائدة بسبب ما هو حاصل. المطلوب مزيد من التحرك الهادف على الصعيد الدولي، من طرف لبنان وأصدقائه وكل الأطراف المعنية بالاستقرار الفعلي، للدفع نحو بلورة خريطة طريق عملية تبدأ بالضغط الفاعل على إسرائيل لانسحابها من النقاط المحتلة ولوقف عدوانها على لبنان والانسحاب إلى جنوب الخط الأزرق كما نص على ذلك قرار وقف النار.
ليس ذلك بالأمر السهل من دون شك، لكنه ليس مستحيلا إذا ما وُظفت الضغوط الدولية المطلوبة والغائبة حتى الآن في هذا الاتجاه. وهذا ليس بنهاية الطريق رغم أهميته، لكنه يفتح الباب للذهاب في إطار لجنة "الميكانيزم" التي تضم الأطراف المشار إليها، للتفاوض غير المباشر، تبعا للصيغة القائمة، مع تعزيز ذلك بخبراء وأهل اختصاص مدنيين متى اقتضى الأمر. الهدف من التفاوض غير المباشر الذي أشرنا إليه يبقى العمل على إعادة إحياء اتفاقية الهدنة للعام 1949وتحصينها إذا استدعى الأمر بمزيد من الإجراءات الأممية المتوازية والمتماثلة على طرفي الحدود. إحياء اتفاقية الهدنة يسهّل العمل على ترسيم (أفضل تعبير تثبيت) الحدود البرية التي تقوم على خط الهدنة أساسا، مع وجود خلافات على عدد من النقاط يمكن التفاوض حولها، وفي إطار لجنة "الميكانيزم". 
أما الحديث عن المفاوضات المباشرة وعن السلام، فالموقف اللبناني واضح في هذا المجال، ويقوم على مفهوم السلام الشامل والدائم والعادل وفق القرارات الدولية ذات الصلة، وهو موقف يستند كليا إلى مبادرة السلام العربية التي أقرت في القمة العربية في بيروت عام 2002.
خلاصة الأمر أن المطلوب الجمع بين المبدئية والواقعية في تناول هذه المسألة.