"حماس" تلحق بـ"الإخوان"!

كتاب النهار 11-11-2025 | 04:49
"حماس" تلحق بـ"الإخوان"!
وجدت حركة "حماس" نفسها محاصرة بين الواقع والرمزية، فهي الحركة التي طالما اعتبرت امتداداً لحلم الإخوان في المنطقة، وحاملة لواء مشروعهم الإسلامي السياسي، لكنها اليوم تواجه المرآة الصعبة: ما بقي من إيديولوجيا أصبح عبئاً أكثر من كونه سنداً...
"حماس" تلحق بـ"الإخوان"!
المشهد في غزة لم يعد محصوراً في معادلة "مقاومة واحتلال"، بل صار جزءاً من صراع أوسع بين منطق الدولة ومنطق الحركة (أ ف ب)
Smaller Bigger

بعدما سقطت "جماعة الإخوان المسلمين" في مصر، وأصبح ذلك أمراً واقعياً لا يمكن تجاوزه في المشهد السياسي المصري والإقليمي، وجدت حركة "حماس" نفسها محاصرة بين الواقع والرمزية؛ فهي الحركة التي لطالما اعتبرت امتداداً لحلم "الإخوان" في المنطقة، وحاملة لواء مشروعهم الإسلامي السياسي، لكنها اليوم تواجه المرآة الصعبة: ما بقي من إيديولوجيا أصبح عبئاً أكثر من كونه سنداً، والأموال الضخمة التي جُمعت لدعم الحركات الإخوانية لم تُترجم إلى أي تأثير ملموس على الأرض، ولم تتمكن من قلب موازين القوى أو التأثير على أنظمة الحكم في مصر والدول المجاورة، بل على العكس، فكل محاولات الحركات الإخوانية لإعادة إنتاج نفسها فشلت، تاركة "حماس" أمام اختبار البقاء الحقيقي.

وتبدو حركة "حماس" اليوم كأنّها تقف على عتبة تحوّل تاريخي يختبر قدرتها على البقاء أكثر ممّا يختبر صلابة خطابها؛ فالمشهد في غزة لم يعد محصوراً في معادلة "مقاومة واحتلال"، بل صار جزءاً من صراع أوسع بين منطق الدولة ومنطق الحركة، بين السيادة المقيّدة والمشروعية الثورية، التي فقدت مبرراتها في زمن الحسابات الباردة. وما يُطرح اليوم ليس مجرد وقف إطلاق نار، بل إعادة هندسة للبنية السياسية والأمنية في القطاع تحت إشراف أميركي وإقليمي، بحيث يُعاد تعريف القوة والسلاح والشرعية وفق قواعد النظام الدولي، لا وفق سردية "المقاومة" القديمة.

في هذا السياق، تتعامل واشنطن مع غزة باعتبارها ملفاً أمنياً مفتوحاً لا يمكن تركه لميزان الفصائل، فتتبنى خطة تقوم على "نزع السلاح مقابل الإعمار"، مدعومة بفكرة إدخال قوة تعمل تحت غطاء دولي، في مقابل ضمانات بإبقاء حدود إسرائيل آمنة. وهذه المقاربة لا تستهدف إنهاء "حماس" عسكرياً فقط، بل تفريغها من مضمونها السياسي والعقائدي، وتحويلها تدريجياً من فاعل مقاوم إلى كيان محدود الصلاحيات؛ وهو مسارٌ جُرّب مع فصائل أخرى في المنطقة، من "حزب الله" في لبنان بعد حرب 2006، إلى "طالبان" في أفغانستان بعد انسحاب الغرب. لكن الفارق الجوهري أن "حماس" تفتقر إلى العمق الجغرافي أو الحليف الإقليمي المستقلّ، الذي مكّن تلك الحركات من البقاء كقوى تفاوض ندّية. فـ"حزب الله"، رغم خضوعه لقيود داخلية ودولية، حافظ على سلاحه بفضل تحالفه الاستراتيجي مع إيران ونظام دمشق، بينما تمتلك "طالبان" جغرافيا واسعة ومجتمعاً قبليّاً متجانساً يمكّنها من التكيّف مع العزلة. أما "حماس"، فهي محاصرة في مساحة جغرافية ضيّقة بلا منفذ سياديّ، تعتمد في اقتصادها ومعابرها على خصومها، وتعيش تحت رقابة دائمة من إسرائيل. وهذه البيئة المغلقة تجعل أيّ خيار للمواجهة انتحاراً، وأيّ خيار للتنازل مساساً بجوهر هويتها؛ لذا فإن أزمتها اليوم ليست في السلاح بحد ذاته، بل في تعريف "المقاومة" داخل منظومة لا تسمح بالمقاومة أصلاً.