.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
"الأمل لا يزال حياً. الأمل قرار اتخذه عشرات الآلاف يوماً بعد يوم". ربما هذا أعمق تعبيرٍ ورد في خطاب النصر، الذي ألقاه زهران ممداني. الأمل يجب ألا يكون إحساساً مجرداً؛ فالأمل، ليس رغبةً أو أمنيةً، بل يجب أن يصبح قراراً ثم يتحول إلى عمل وحركة. فقد أعاد انتخاب ممداني الأمل في النفوس، ولكنه طرح سؤال التغيير مرةً أخرى. ولعل ما كتب حول هذه الانتخابات وعن خلفيات الرجل الثقافية والسياسية هو من أعاد طرح مسألة التغيير، وأعاد معها طرح الوصفات الجاهزة، أو نقل التجربة إلى ساحاتٍ تعيش سياقاتٍ ومشاكل مختلفة.
توجد نزعات رغبوية، يسارية وليبرالية في عالمنا العربي، تؤخذ دائماً بالتجارب التغييرية البعيدة وتتمنى تقليدها، في تجاهلٍ لجدلية التغيير نفسه. قبل سنواتٍ وضع دنكان غرين كتابه المرجعي "كيف يحدث التغيير"، وانتهى فيه بعد جرد تاريخي واجتماعي لتجارب التغيير الكثيرة في القرن العشرين، إلى أن التغيير عملية فوضوية. فهو لا يتبع المخططات الانسيابية المُنظَّمة التي يُحبّذها البيروقراطيون أو أصحاب المصالح. إنها عملية مُعقَّدة وتكيُّفية، أقرب إلى تربية طفل منها إلى تنفيذ خطة خمسية.
وتختلف تكتيكاته باختلاف السياقات المكانية والاجتماعية، فكل مجتمعٍ يتكون من أنظمة مُعقدة من العلاقات بين جهات فاعلة مُختلفة تتغير بمرور الوقت، تختلف عن المجتمعات الأخرى. داعياً كل من يعمل من أجل التغيير إلى أن يكف عن التظاهر بالتحكّم في النتائج. وبدلاً من ذلك، يُشجع على ثقافة الفضول والتواضع، من خلال المعايشة اليومية - كما فعل ممداني - والتجريب والصبر على الأهداف المحددة والصغيرة. وكذلك فهم الواقع الذي نعمل فيه. فالتغيير لا يحدث طوعاً، بل يحدث عندما نفهم الأنظمة التي نعيش فيها، والسلطة التي نملكها، أو لا نملكها، والأعراف التي تعوقنا.
يبدو الوضع الراهن دائماً لنا كأنه ثابت، وغير قابلٍ للتحول، إلا أن ذلك الثبات مجرد وهمٍ. وعلى رغم أن المجتمعات بطبيعتها محافظة، إلا أنها تتجه، بمرور الوقت، إما إلى التطور وإما الى التحلل. ومع ذلك يواجه التغيير دائماً الحاجز النفسي لقوى الأمر الواقع. فالتحولات تبدأ غالباً في النفوس، وذلك عندما يتوقف الناس عن قبول ما بدا حتمياً. وهي القوة الدافعة التي أوصلت زهران ممداني إلى القمة، عندما توقف سكان المدينة الأكثر ثراء في العالم عن قبول حتمية وجود خيار واحد، وأمنوا بوجود بديلٍ. وذلك التحول النفسي هو ما يجعل الأمل واقعياً. وهو ما نفتقده للأسف اليوم في العالم العربي.
يلعب القبول بالوضع الراهن دوراً أساسياً في منع الناس من الاعتقاد أن لديهم خياراً آخر، مما يجعلهم يشاركون سلباً وإيجاباً في تأبيد هذا الوضع. في المقابل تلعب الصدمات والأزمات والمنعطفات الحرجة دوراً في خلخلة قوة هذه الحتميات النفسية، وربما كانت صدمة ترامب هي من مهد الطريق لممداني. فالصدمة الوجودية التي تصيب المجتمعات أمنياً أو اقتصادياً أو سياساً، تفكك الافتراضات التي طالما تمسكوا بها حول السياسات السائدة، وتجعلهم أكثر استعداداً لتحمل المخاطر المرتبطة بالتغيير، بحيث يظهر الوضع الراهن لهم أقل جدارة بالدفاع عنه. وفي مثل هذه اللحظات، عندما يصبح العجز عن مواجهة مشكلة ما أمراً ظاهراً، يتوقف الناس عن رؤية الوضع الراهن كنظام ثابت لا يمكن المساس به، ويصبحون أكثر استعداداً لتقبل فكرة التغيير.
لكن الإيمان بالتغيير يحتاج من المرء الكثير من التفاؤل، الذي بات في ظل ما نعيشه - على الأقل في عالمنا العربي - خياراً أخلاقياً صعباً يتطلب جهداً روحياً وحشداً للإرادة الفردية والجماعية. فالمتفائل هو من يدرك تماماً مدى سوء العالم، أما المتشائم فهو من يكتشف الحقيقة من جديد كل صباح، كما يشير إلى ذلك بيتر أوستينوف.