.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ما تفتقده الحكومة اللبنانية وتتقنه الحكومة السورية هو الاستفادة من الزخم كجزء أساسي من صنع السياسة واتخاذ القرارات. إيران تتجنب الأضواء وتفضّل حياكة الصفقات في الغرف المغلقة لأن النظام في طهران يخاف الزخم والعلنية. إسرائيل تتبنى مزيجاً من أنواع الزخم للاستفادة من المبادرة وتحويلها لصالحها. أما إدارة الرئيس دونالد ترامب فإنها قد أعلنت مراراً أن الزخم Momentum هو جزء رئيسي من سياساتها بل إنه أخذ مكان أسس الديبلوماسية التقليدية، وهي تتوقع من اللاعبين الآخرين استيعاب المعادلة الجديدة.
هذان الأسبوعان مثال مهم على مسيرة وخيارات كل من سوريا وإيران وإسرائيل ولبنان بشقه الرسمي أي مواقف الدولة وبشقه التعطيلي المتمثل في "حزب الله" وورائه طهران. زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن الإثنين إنما تشكّل نموذجاً لفن الزخم بمشاركة إقليمية ودولية غير مسبوقة تستثني إيران وتستبعدها وإلى حد ما روسيا أيضاً. بالمقابل، هناك تطورات لافتة تحدث سرّاً وخلف الأبواب المغلقة منها ما يتعلق بإيران وحديثها مع إدارة ترامب، ومنها ما له علاقة بالوضع الداخلي في إيران. أما إسرائيل فإنها متأهِبة في أكثر من مكان.
لنبدأ بلبنان الذي يقف على حافة الانتحار إذا ثابرت الدولة على ممارسة الهروب إلى الأمام والاختباء وراء الأصبع. إسرائيل متأهبة للقيام بعمليات عسكرية واسعة ضد البنية التحتية لـ"حزب الله" في كل أنحاء لبنان، وهي تتمتع بضوء أخضر من إدارة ترامب إذا استمرت الدولة اللبنانية بالتردد خوفاً من "حزب الله".
"حزب الله" أعلن منذ بضعة أيام تمسكه بالمقاومة المسلحة وما يعتبره حقاً له بغض النظر عن مواقف لبنان الرسمية. "حزب الله" لا يمارس المقاومة ضد إسرائيل إنما يصرّ على احتفاظه بسلاحه ويتحدى قرار الحكومة حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة.
إيران تجاهر بدعمها موقف "حزب الله" التعطيلي لسيادة الدولة اللبنانية. تفعل ذلك في تصريحات علنية فيما تختبئ في الغرف المغلقة للتوسّل إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية فتح صفحة جديدة معها وإنقاذها من العقوبات.
الدولة اللبنانية هي التي سمحت وتسمح لـ"حزب الله" بالتحكم بها رغم أن الحزب هو المهزوم والضائع والخاسر والضعيف. الدولة هي التي أعطت "حزب الله" حق الفيتو على قراراتها السيادية ووضعت نفسها رهن موافقته أو معارضته لتنفيذ التزاماتها ووعودها الرسمية.
سلبت الدولة اللبنانية من نفسها صلاحية السيادة والحق بالقرار السيادي بمجرد أنها رضخت لبدعة الحوار حول ما قد تم اتخاذه من قرار. وبالتالي، لم يكن مفاجئاً إعلان "حزب الله" التمسك بالمقاومة في صفعة واضحة للدولة والرؤساء الثلاثة والشعب. المفاجئ هو استمرار الدولة في عدم استيعاب العواقب والتداعيات وعدم احتجاجها على تدخل إيران وصفعاتها للسيادة.
إسرائيل معتدية على لبنان، بلا شك، وهي تفضّل أن تبقى الدولة اللبنانية في تلكؤ وشلل، لأن ذلك يعطيها الفرصة للالتفاف على الضغوط الأميركية والدولية لتنفّذ التزاماتٍ بإنهاء احتلالها لبضع نقاط في لبنان.
الغريب هو أن "حزب الله" وإيران هما الطرفان اللذان يستدعيان الضربات العسكرية الإسرائيلية على مواقع "حزب الله" كما على البنية التحتية للبنان. فإما أن طهران لا تبالي بما يحدث للبيئة الشيعية بالذات في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت في ظل التهديدات الإسرائيلية الواضحة، ما دام أن "حزب الله" ورقة تفاوض في يدها تستخدمها مع الجانب الأميركي والإسرائيلي. وإما أنها و"حزب الله" يسعيان الى صفقة سرية مع إسرائيل من وراء ظهر الدولة اللبنانية.
الدولة اللبنانية تُلام لأنها أقحمت نفسها في التخبط وفي دوامة الحوار المفرغة والتفاوض التعجيزي. اليوم، يهين "حزب الله" -ومعه إيران- الرئاسات اللبنانية ويمنعها من الذهاب إلى مفاوضات مع إسرائيل أعلن الرئيس جوزف عون أنه يدعمها ولا مناص منها- وإن كان فعل ذلك بخجل تقريباً. حفرت الدولة لنفسها فخاً خطيراً عندما وضعت مصير قرارها السيادي رهن موافقة "حزب الله"، فجاء قرار الحزب أنه ممنوع على الدولة التفاوض مع إسرائيل تحت أي ظرف كان.
هذا الموقف يضع الحكومة اللبنانية في مواجهة مباشرة مع إدارة ترامب التي أوضحت أن لا ردع لإسرائيل عن أي عمليات عسكرية إذا تمسك لبنان الرسمي برفض المفاوضات، وإذا تلكأ في نزع سلاح "حزب الله". الموقف الأميركي للحكومة اللبنانية حاسم وجازم: فاوضوا إسرائيل، ونحن معكم. استفيدوا من الفرصة بدلاً من إهدارها. فأنتم من سيدفع الثمن.
كثيرون من اللبنانيين يعترضزن على أسلوب السفير الأميركي والمبعوث الى سوريا، توم برّاك، وبالذات تصريحاته الأخيرة في حوار المنامة في البحرين- الذي كان لي شرف المشاركة فيه- والتي انطوت على إهانة بعد إهانة، واصفاً لبنان بأنه "دولة فاشلة" بلا مؤسسات يعاني من مشاكل هيكلية خطيرة، فيما الدولة في الواقع هي "حزب الله". الاحتجاج هو على أسلوب برّاك و"بهدلته" العلنية. لكن كثيرين من اللبنانيين يوافقون على مضمون ما قاله.
صراحة برّاك كشفت ما في ذهن إدارة ترامب، بغض النظر إن كان مغلَّفاً بقليل من الديبلوماسية، أو بكثير من نفاد الصبر إزاء التذاكي اللبناني على المستوى الرسمي لتجنّب مواجهة الواقع. قال برّاك إن الوقت نفد وأن على لبنان اللحاق بركب المفاوضات والحرص على حدوده. قال إن الجيش يعاني من نقص في الموارد المالية والبشرية فيما آلاف الصواريخ المنتشرة في جنوب لبنان لاتزال تشكّل تهديداً لإسرائيل.
رسالته للدولة كانت: تحركوا، وإلا. فاوضوا في حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل، وإلا. إسرائيل مستعدة للتوصّل إلى اتفاق حدودي مع لبنان، فالتقطوا الفرصة، وإلا. التحقوا بالزخم، وإلا. رأيه، ورأي آخرين كثر، هو أن "حزب الله" في ضياع وفي رعب، وأن هذه هي اللحظة المؤاتية لوضعه في مكانه. فإذا فوتت الدولة الفرصة، فسيدفع لبنان كله الثمن.
الأمران الآخران اللذان تحدّث عنهما توم برّاك- وهو السفير الأميركي المعتمد لدى تركيا والمبعوث الرئاسي إلى سوريا- هما: أولاً، أن تركيا وإسرائيل ماضيتان نحو التفاهم والتعاون، ولن تقع حرب بينهما. بذلك سكب الماء البارد على تأويلات فارغة بأن تركيا وإسرائيل عدوّتان في سوريا، فيما هما واقعياً وميدانياً شريكتان في حاضر سوريا ومستقبلها.
ثانياً، قال برّاك، إن سوريا "تزحف" نحو إسرائيل ليس في إطار التفاهمات الحدودية والأمنية فحسب وإنما أيضاً نحو التطبيع الذي تتصوره الاتفاقات الإبراهيمية. قال أيضاً إن سوريا ستنضم إلى التحالف الدولي ضد "داعش" أثناء تواجد الرئيس أحمد الشرع في واشنطن.
الزخم، بغض النظر عن النتائج. هذا هو عنوان أساسي في سياسة دونالد ترامب. الزخم هو الأهم، وكذلك الترغيب بالازدهار في مواجهة مآسي الدمار. الاحتفاء بالرئيس السوري لم يأتِ من فراغ وإنما جاء من خلفية توافق دولي وإقليمي على مساعدة سوريا في الانتقال من أحضان إيران وروسيا وبشار الأسد، وكذلك من أحضان الداعشية إلى عتبة جديدة.
هذا المكان الجديد تطلّب من الرئاسة السورية تقديم أوراق اعتمادها لدى الكونغرس الأميركي بأن الرئيس وطاقمه الحكومي شريكان في مكافحة "داعش"، وجديان في التطبيع الحدودي مع إسرائيل كما في الطريق إلى تطبيع أوسع، ومستعدان لاحترام حقوق الأقليات. هذه أُسس لإقناع الكونغرس برفع العقوبات عن سوريا، ولا سيّما منها تلك بموجب قانون قيصر والتي لا يمكن للإدارة رفعها.
سألتُ وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني، أثناء مشاركته في حوار المنامة عن هذه الأمور وعما سماه توم برّاك "زحف" سوريا نحو التطبيع مع إسرائيل، فأجاب: "ليس هناك زحف سوري نحو إسرائيل... وأختلف مع هذه العبارة... ما نريد هو أن تكون هناك فرصة ملهمة". قال إن الزيارة التاريخية إلى واشنطن تفتح صفحة جديدة بين أميركا وسوريا، مؤكداً أن "داعش" خطر إقليمي ودولي و"نحتاج في سوريا المساعدة" في صد هذا الخطر.
الشيباني أكد "أننا لا نريد لسوريا أن تكون جبهة بين الشرق والغرب"، وأن سوريا تريد بناء "علاقات متوازنة... لا تقوم على مبدأ الاستقطاب... على مسافة واحدة من الجميع". وقال إن "تدخّل إيران في سوريا ووجود إيران في سوريا زادا معاناة الشعب السوري وأطالا أمد الحرب". أضاف إن "عقلية إسرائيل عقائدية، كما عقلية إيران"، وكلاهما يريد سوريا ممراً، إنما "سوريا ليست ممراً لأحد". كذلك أكد أن "لبنان دولة مهمة بالنسبة لنا" وأن سوريا تريد رسم العلاقات مع الجوار على أساس "الانفتاح على الجميع"، واعتبر أن تركيا باب الأمن القومي وهي "حليف وشريك أساسي لسوريا".
المقاربة السورية براغماتية بامتياز لا تنبذ التفاوض من أجل تطبيع الحدود مع إسرائيل ما دام الهدف هو المصالح السورية القومية. طاقم سوريا اليوم يحسن تماماً الاستفادة من المبادرة كما من الزخم، عكس لبنان وإيران.
إيران تسعى وراء إحداث تغيير في علاقاتها مع الولايات المتحدة عبر ديبلوماسية الباب الخلفي، بعيداً من الزخم، وهذا الباب الخلفي لايزال في عُمان التي حرص وزير خارجيتها بدر البوسعيدي أثناء مداخلته في مؤتمر حوار المنامة على أن يمجّد بأداء إيران وسلوكها الاقليمي، منتقداً الدول العربية على اعتماد مبدأ احتواء إيران. وشنّ هجوماً لاذعاً بالذات على مجلس التعاون الخليجي بسبب سياساته نحو طهران.
ما يحدث عبر وساطة عُمان بين الولايات المتحدة وإيران لايزال في طور التفاهم الجزئي وليس الصفقة المتكاملة. عُمان يهمها الملف النووي حصراً وهي لا تريد أن يشوب المفاوضات ما تعتبره تشويشاً، إذا طُرحت مسألة سلوك إيران الإقليمي وتدخلها في الدول العربية عبر الأذرع المسلحة والميليشيات والقوات غير النظامية، مثل "حزب الله" في لبنان والحوثي في اليمن.
إنما هناك طبقة أخرى من محاولات إحداث تغيير أما عبر تحديث في العقيدة الإيرانية لتعديل تمسكها بالطموحات النووية والصاروخية وعبر الوكلاء وتلطيفها، أو عبر تغيير في الداخل الإيراني عبر أذرع الدولة تحضيراً لإيران ما بعد وفاة مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي.
أحد المخضرمين في ملف إيران الداخلي قال إن التغيير في النظام في طهران آتٍ عبر المؤسسة العسكرية التقليدية، وليس من خلال الحرس الثوري التابع لمرشد الجمهورية، وذلك من خلال آلياتٍ إيرانية وأميركية.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرحّب تكراراً بصفحة جديدة مع إيران بل يعتبر أنها ستكون جاهزة للانضمام إلى مسار السلم بما في ذلك الاتفاقات الإبراهيمية. أيّ إيران ستكون ومتى، وماذا في ذهنه؟ هذه الأسئلة الأهم التي ستقرر ليس مصير الجمهورية الإسلامية الإيرانية فحسب وإنما أيضاً مسار الحرب والسلم في المنطقة ومصير الأذرع الإيرانية وساحاتها.