الحكم الذاتي وتقرير المصير... مسار تحول عميق في وعي المنتظم الدولي

كتاب النهار 08-11-2025 | 06:17
الحكم الذاتي وتقرير المصير... مسار تحول عميق في وعي المنتظم الدولي
يعتبر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الذي حدد الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007  كأرضية وحيدة للتفاوض من أجل الوصول إلى حل سياسي ينهي النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، تحولاً تاريخياً
الحكم الذاتي وتقرير المصير... مسار تحول عميق في وعي المنتظم الدولي
معبر الكركرات الحدودي (أ ف ب)
Smaller Bigger

يعتبر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الذي حدد الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007  كأرضية وحيدة للتفاوض من أجل الوصول إلى حل سياسي ينهي النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، تحولاً تاريخياً، ليس فقط في ما يتعلق بالنزاع في حد ذاته، بل أساس في منظور الأمم المتحدة لمبدأ تقرير المصير الذي أريد له منذ خمسين سنة أن يكون مجرد شعار إيديولوجي يخالف الأسس التي قام عليها، وهي أساساً أن لا يكون في تناقض مع مبدأ أكبر، وهو حق الدول في الحفاظ على وحدتها الترابية. 

إن الذين رفعوا شعار "تقرير المصير"، دافعوا في نفس الوقت عن بقاء الحدود الموروثة عن الاستعمار والتي كان من نتائجها تمزيق البنى القبلية والعرقية - خاصة في إفريقيا - في إطار توزيع المستعمرات بين القوى الكبرى، ما مثل وجهاً مشوهاً لنشأة الدولة في إفريقيا ما يعد سبباً مباشراً في عدم استقرارها إلى اليوم، خاصة في ظل ضعف الممارسة الديموقراطية والمواطنة الدستورية في بعدها الإجرائي والتي مكنت في التجربة الغربية من تجاوز الاختلافات اللغوية والعرقية والدينية والمناطقية، مؤسسة لقواعد عيش مشترك يتمتع فيه جميع المواطنين بنفس الحقوق وبنفس الواجبات، مع حق الجميع في الحفاظ على خصوصية لا تكون في تناقض مع الدولة الموحدة. 

لهذا كان قرار مجلس الأمن 2797 مؤسساً بجرأة كبيرة، لمفهوم جديد لتقرير المصير من خلال الانتصار لسردية المغرب المنتجة في التاريخ والتي تعتبر الحكم الذاتي شكلاً من أشكال تقرير المصير، وتطهير هذا الأخير في شكله الخارجي من شبهة تقسيم الدول والعبث بوحدتها الترابية والوطنية بما يشكله ذلك من تهديد للسلم والأمن الدوليين. 

يجدر بنا هنا إعادة قراءة المسار الطويل الذي قطعته الأمم المتحدة، لإحداث تحول عميق في تعاطيها مع ثنائية الوحدة الترابية للدول كحق أصيل، وبين الاستجابة لحق تقرير المصير، بما يعنيه ذلك من حقوق وحماية حسب الحالة سواء تعلق الأمر بالأقليات العرقية أواللغوية أوالدينية أوالقبلية. 

نستحضر هنا عدداً من التجارب التي ارتبط فيها تقرير المصير بالاستفتاء الذي يعني الاختيار بين الاندماج أو الاستقلال، مثل انفصال تيمور الشرقية عن إندونيسيا سنة 1999 وانفصال جنوب السودان عن السودان سنة 2011 وإعلان برلمان كوسوفو قيام دولة مستقلة من طرف واحد سنة 2008، وبغض النظر عن مآلات هذه التجارب، انتفاضات وعزلة دولية بالنسبة لتيمور الشرقية، وحرب أهلية في جنوب السودان بالإضافة إلى ارتهان وجود الدولة بالدعم الأجنبي في حالة كوسوفو بالنظر إلى غياب الاعتراف الدولي، فإن العامل المشترك، على الأقل بين حالة تيمور الشرقية وجنوب السودان، هو إعمال استفتاء تحت إشرف الأمم المتحدة. 

البعض ولسنوات طويلة كان يرفع مطلب الاستفتاء في الصحراء المغربية، ويقدم التجربتين كنموذج، دون الأخد بعين الاعتبار أن الحالة في المغرب كانت مختلفة كلياً عن تجارب العالم التي عرفت استفتاءات تقرير مصير تحت إشراف أممي، لأن المشكل لم يكن في سؤال: هل نقوم بالاستفتاء أم لا؟ ذلك أن المغرب قبل بالاستفتاء كما قبلته الأطراف الأخرى، بل في سؤال أعمق بكثير: من له الحق أصلاً في التصويت؟ وبذلك كان أول نزاع يعتمد على تحديد الهوية، ليس كمجرد عملية تقنية، بل مسألة جوهرية لصيانة الحق في تقرير المصير. 

في تيمور الشرقية سنة 1999، الأمم المتحدة جاءت بدون أي “قائمة مسبقة”، ففتحت تسجيلاً جديداً بالكامل. واعتمدت مبدأ بسيطاً: كل من ينتمي للشعب التيموري له الحق في التسجيل، سواء كان داخل الإقليم أو في الشتات. ولذلك، لم يجر النزاع حول تعريف من له حق التصويت، لأن التعريف كان متوافقاً عليه.

الأمر نفسه تقريباً في جنوب السودان سنة 2011. الأساس القانوني جاء من اتفاق السلام الشامل لسنة 2005، الذي عرف “الأصل الجنوبي”. تم تسجيل الناخبين داخل الجنوب وخارجه في الخرطوم وفي الشتات، مرة أخرى، كان الانتماء الأصلي للجنوب هو معيار التسجيل في لوائح التصويت. 

في الحالتين إذن، كانت الأمم المتحدة تتحرك نحو “توسيع” تعريف الجسم الانتخابي لاستيعاب الانتماء الحقيقي للهيئة المصوتة موضوع الاستفتاء.

في الصحراء المغربية، حدث العكس تماماً. بعد وقف إطلاق النار سنة 1991، انطلقت خطة التسوية الأممية على أساس استفتاء تقرير المصير. فاعتمدت الأمم المتحدة إحصاء إسبانيا لسنة 1974، لتحديد الجسم الانتخابي. وهو ما اعتبر بـ“الخطيئة التأسيسية”، لأن هذا الإحصاء أصلاً جرى في سياق سياسي كانت فيه إسبانيا كقوة استعمارية تتهيأ لخلق كيان منفصل موال لها في الإقليم. وبالتالي تم حصر الجسم الانتخابي في لائحة استعمارية ضيقة، أقصت منهجياً جزءاً مهماً من الصحراويين الرحل، ومن ذوي الامتداد القبلي داخل المغرب بل إن مجالها الرعوي كان يشمل موريتانيا والجزائر ومالي، باعتبار القبائل الصحراوية، هي قبائل رحل وترحالها يرتبط بفصول السنة غير معترفة بالحدود السياسية... بل من سخريات مسلسل تحديد الهوية الذي اعتمدته الأمم المتحدة لتنظيم إستفتاء في الصحراء المغربية، أن تم رفض تسجيل والد رئيس جبهة البوليساريو السابق الراحل محمد عبد العزيز، فكيف يمكن أن تكون هناك شرعية للوائح تحديد الهوية يسجل فيها الإبن ويرفض تسجيل الأب، فقط لأن الأب يسكن وسط المغرب ولا يرى تناقضا بين كونه صحراوياً وكونه مغربياً. 

نتيجة لكل ذلك تقاطرت على الأمم المتحدة مئات آلاف الاعتراضات الفردية. كل ملف يصبح نزاعاً قبلياً. كل ملف يتحول إلى معركة سياسية. كل إضافة أو حذف لآلاف الأسماء يعني تغييراً محتملاً للنتيجة. واستوعبت الأمم المتحدة أخيراً، خصوصاً في تقارير الأمين العام كوفي عنان سنة 2000 و2001، أن هذه العملية غير قابلة للحسم. لم يكن هناك خلاف على الإجراء، بل على تعريف من له الحق في التصويت أصلا، ومن دون هذا التعريف المتفق عليه، لم يعد هناك أصلاً من معنى لتقرير مصير يقوم على الاستفتاء.

بالإضافة إلى تيمور الشرقية (1999) وجنوب السودان (2011) وكوسوفو (2008) هناك تجارب أخرى في العالم مرتبطة بتقرير المصير: إريتريا (1993)، الجبل الأسود (2006)، كيبك (1980 و1995)، إيرلندا الشمالية (1998)، لكن لا واحدة منها عاشت  الصراع على تعريف الجسم الانتخابي. لأن هذه الحالات لم تكن بالتركيبة نفسها: إما أن الشعب محدد، أو الاستفتاء داخلي، أو توافق سياسي (الجمعة العظيمة في إيرلندا) أو الإعلان جاء من البرلمان لا من صندوق الاقتراع، كما في حالة كوسوفو. 

اليوم، بعد أزيد من 30 سنة تقريباً، لم يعد هناك أي طرف دولي جاد يعتقد أن الاستفتاء قابل للتنفيذ، بل إن مجلس الأمن منذ 2004 طلب من الأطراف بوضوح حلاً سياسياً وهو ما استجاب له المغرب بتقديم مخطط الحكم الذاتي في نيسان/أبريل 2007، الذي اعتمده مجلس الأمن بعد سنوات كأرضية وحيدة للتفاوض وكشكل من أشكال تقرير المصير عبر القرار 2797.