صفّ طويل من الأقنعة

كتاب النهار 02-11-2025 | 07:16
صفّ طويل من الأقنعة
الذين سيغلقون ملفّ هذه الحرب ومنظوماتها المنفلتة سيكونون غير أولئك الذين شهدوا بداياتها. الوجوه التي ستظهر في الصورة الأخيرة ستكون مختلفة عن تلك التي ظهرت في مشاهدها الأولى، الوجه الوحيد الذي سيظهر كخاتمة هو نتنياهو محاطاً بصفّ طويل من الأقنعة المتوعّدة.
صفّ طويل من الأقنعة
الوجه الوحيد المتكرر هو بنيامين نتنياهو بحمولاته كاملة (أ ف ب)
Smaller Bigger

في السنة الثالثة للحرب على غزة يبدو المشهد كما لو أنه قادم من ذاكرة بعيدة مشوّشة، ذاكرة غير مدققة وقابلة للتأويل. الوجه الوحيد المتكرر هو بنيامين نتنياهو بحمولاته كاملة؛ ملفات الفساد الأربعة، ومناورات الاغتيال بمستوياتها، التصفيات السياسية لخصومه في الائتلاف والاغتيالات الجسدية لأعدائه في الخطوط العميقة للجبهات، تحوّلاته الرسولية وأقنعته المتعددة؛ ملك إسرائيل، الساحر، قائد حرب الانبعاث إلى رؤية إسرائيل الكبرى وصولاً إلى ليونيداس ملك إسبارطة...

نتنياهو هو الثابت الوحيد في إسرائيل، هو بن غوريون وتشرشل معاً وموفد جابوتنسكي لتأسيس إسرائيل الثانية. ثبات يقترب من العبث، ولكنه قادر على الوقوف في الممرات والدخول من الأبواب والمرور في أفق "الدولة" وتناقضاتها، بعدما فكّك المعارضة وهو يدور بها في حلبة دائرية ويلقيها على الحبال في كل مرة، وبعد أن نظف محيطه الضيق من أي محاولة للتمرد أو الاعتراض أو الخلاف، وأحاط نفسه بأقنعته المتعددة، في وزارة الدفاع والأركان والشاباك ورئاسة الكنيست ووزارة العدل والقضاء ومؤتمر الليكود.

الفكرة هي إدامة الحروب، ترويض الجغرافيا وتدريبها على الطاعة، عبر مفتاحين يعلقهما على الخاصرة، في الجبهتين، لبنان والضفة الغربية. ثمة تكتيك يكاد يكون مكرراً، شيء من الأزمة التي تصل بعد كل دورة؛ ضرب البنى التحتية لـ"المقاومة" عبر مطاردة ساخنة متواصلة، ومطاردة الاقتصاد الفقير من موسم الزيتون إلى التهجير ومنع الإعمار من جهة، وتفكيك السلطة وإضعاف تمثيلها وتعويم وعودها، سواء في بيروت أو رام الله من جهة ثانية.

المعادلة في مستواها الأعمق هي لبنان مع "حزب الله" محاصر، يبدو ذريعة ملائمة لتغذية العدوانية الإسرائيلية، وهو بالتأكيد خيار أفضل لإسرائيل من لبنان بدون سلاح "حزب الله" ورئاسة قويّة وحكومة مهنية وبرامج للإعمار والتعافي الاقتصادي، لذلك تبدو عمليات القصف والاغتيالات التي لا تتوقف، والتي تجول بعد الليطاني وبعد البقاع، موجهة نحو إضعاف الدولة اللبنانية وتبديد الثقة التي أحاطت بها منذ انتهاء الاستعصاء الرئاسي وانتخاب الرئيس عون واستدعاء رئيس الوزراء سلام، أكثر من توجهها نحو ضرب مقدرات "حزب الله" وممرات إمداده. هذا يكاد يكون تطبيقاً مختبراً ومحدّثاً لسياسة الاحتلال في الضفة الغربية، السياسة التي يمكن قراءة نتائجها من خلال الهجمات المتلاحقة للمستوطنين ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، وتنمّر وزراء الحكومة (كاتس، سموتريتش، بن غفير) ورفض أيّ دور للسلطة في ترتيبات اليوم التالي، بحيث تبدو السلطة في رام الله خارج الصراع تقريباً، ولكن مع مطالب كبيرة غير متحققة، ما يدفع الرئيس الأميركي ترامب إلى الحديث علناً عن أزمة قيادة فلسطينية. وهو النموذج نفسه المتبع في غزة، وقف إطلاق نار مع فرض شرعية المطاردة الساخنة.

يجلس نتنياهو محاطاً باتفاقيات وقف إطلاق النار. اتفاقيات مفتوحة ومواربة، بحيث لا يمكن الحصول على حرب منتهية، سواء في إيران أو اليمن أو لبنان، تلك هي ذرائعه للبقاء في الحكم. لا توجد ملفات مغلقة قبل إغلاق ملفه الشخصي. كل شيء تقريباً متعلق بمصيره الخاص.

معظم الوجوه التي ظهرت في المشاهد الأولى لم تعد موجودة، فقط الرجل الذي ينتقل بين أدواره الكثيرة ويجول بأقنعته، ويدفع الحروب نحو الإقليم كمن يدفع قطيعاً من الكلاب المدربة.

يوآف غالنت سحب من ياقته خارج الكادر تماماً مع مذكرة جلب دولية، ومسؤولية داخلية في فشل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر بانتظار لجنة تحقيق مؤجلة، استبدل بكاتس قناع نتنياهو الذي لقبته افتتاحية صحيفة "هآرتس" بـ"الفزاعة".

رئيس الأركان هرتسي هاليفي يبدو مكتئباً تماماً بينما زوجته تحاول تقديمه في الإعلام كضحية مخلصة ومعذَبة، بعدما انتهت خدمته بسلسلة من الأخطاء والذكريات الحزينة. ثمة أيال زامير أحد أقنعة نتنياهو يجلس في مكانه الآن، بأخطاء أيضاً ولكن من دون عبء السابع من أكتوبر.

رئيس الشاباك رونين بار غادر بعد مواجهة غير متوازنة وزُجّ قناع آخر هو ديفيد ويني، متدين ومطيع في الوقت نفسه.

الذين سيغلقون ملف هذه الحرب ومنظوماتها المنفلتة سيكونون غير أولئك الذين شهدوا بداياتها. الوجوه التي ستظهر في الصورة الأخيرة ستكون مختلفة عن تلك التي ظهرت في مشاهدها الأولى، الوجه الوحيد الذي سيظهر كخاتمة هو نتنياهو محاطاً بصف طويل من الأقنعة المتوعدة.