حرب إسرائيل ضد "ويكيبيديا" ومن أجلها

كتاب النهار 03-11-2025 | 05:00
حرب إسرائيل ضد "ويكيبيديا" ومن أجلها
تتهم إسرائيل النسخة الإنكليزية لـ"ويكيبيديا" بالتحييز ضدها، لأنها تصف ما حدث في غزة بأنها إبادة جماعية، وما يحدث منذ ثمانية عقود بكونه استعماراً.
حرب إسرائيل ضد "ويكيبيديا" ومن أجلها
أصبح التعريف المحدّث في ويكيبيديا يشير إلى أن الصهيونية "تحققت عن طريق استعمار فلسطين وطرد أهلها”. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا تنتهي الحروب بالسلام أو الاستسلام فحسب، بل بقصة. كما تُحشد الأمم جيوشها، تُحشد كلماتها وأساطيرها وحقائقها وأنصاف حقائقها. فالحرب معركة سرديات بقدر ما هي صراع قوى. لأن السرد هو الإطار التفسيري الذي يُضفي على تلك الأحداث تماسكاً أخلاقياً ووجودياً. لذلك من يتحكم بالسرد يتحكم  بالمجال الرمزي للصراع. ومن أجل ذلك تخوض إسرائيل، في موازاة جبهات حربها المتعددة، حرباً رمزيةً ضد السرد السائد عالمياً، والذي يصور حربها في غزة بصفتها إبادةً جماعية. وأبرز جبهات هذه الحرب الرمزية هي منصة "ويكيبيديا".

عشرات المقالات والدراسات والبرامج التلفزيونية والهجمات على وسائل التواصل الاجتماعية ضد المنصة المعرفية الرائدة، وأساساً ضد النسخة الإنكليزية منها. لطالما مثلت "ويكيبيديا"، بفضل نموذجها التشاركي والوصول المجاني للمعلومات، تجسيداً لحلم "دمقرطة" المعرفة عند إطلاقها عام 2001. ومع ذلك، فقد تحولت هذه المنصة العملاقة، التي تُعد أكبر مصدر معلومات مقروء في العالم والمصدر الرئيسي الذي تعتمد عليه أنظمة الذكاء الاصطناعي، إلى ساحة معركة لتشكيل الروايات في الصراعات الجيوسياسية. ويحتدم الصراع بشكل أقوى حول النسخة الإنكليزية من المنصة، التي تعتبر الأضخم والأكثر تأثيراً، بحيث تحتوي على أكثر من سبعة ملايين مقالة وتسجل حوالى 11 مليار زيارة ومشاهدة شهرياً. وتعود أهميتها القصوى إلى ظهورها المتكرر في صدارة نتائج محركات البحث مثل "غوغل"، بالإضافة إلى دورها كمورد أساسي لتدريب نماذج اللغات الكبيرة. وتؤكد بياناتها غالباً ما يستخدم في نماذج التعلم الآلي، مما يعني أن التغييرات فيها لا تؤثر على الجمهور العام فحسب بل تمتد لتؤثر على تدريب روبوتات الدردشة للذكاء الاصطناعي.

تتهم إسرائيل النسخة الإنكليزية لـ"ويكيبيديا" بالتحييز ضدها، لأنه تصف ما حدث في غزة بأنه إبادة جماعية، وما يحدث منذ ثمانية عقود بكونه استعماراً. ففي ورقة نشرها مركز الأمن القومي الإسرائيلي قبل أيامٍ أعربت الباحثة التي حررتها، عن قلقها من إعادة تعريف الصهيونية في المنصة، فبدلاً من التركيز على أنها "إقامة وطن للشعب اليهودي ودعمه"، على حد قولها، أصبح التعريف المحدّث يشير إلى أن الصهيونية "تحققت عن طريق استعمار فلسطين وطرد أهلها". وبحسب الورقة، فإن هذا "التحيز ضد إسرائيل في ويكيبيديا ليس ظاهرة عشوائية، بل هو تحرك منسق ومنظم". كما تطالب الباحثة في توصياتها حكومتها بالضغط على محركات البحث الكبرى لمحاصرة "ويكيبيديا" وعدم جعلها تظهر في المراكز الأولى لعمليات البحث، وهو ما يعني عملياً خنقهاً وإهمال محتواها.

ويبدو أن إسرائيل تأخذ هذه المعركة بكثيرٍ من الجدية والجهد، إذ أفضت ضغوط المنظمات الداعمة لها في الولايات المتحدة إلى تحركٍ داخل مجلس النواب الأميركي، تجلى بإطلاق تحقيق يهدف إلى فحص طريقة عمل المنصة في ما يتعلق بالمواد التي تخص إسرائيل. وقبل ذلك كان المدعي العام الفيدرالي في واشنطن، قد أرسل رسالة إلى المؤسسة زعم فيها أن هذه المنصة "تمكّن جهات أجنبية من التلاعب بالمعلومات ونشر الدعاية للجمهور الأميركي".

يجري ذلك رغم أن ما تقوله "ويكيبيديا" يستند إلى مصادر أممية موثوقةٍ، ومصادر إعلامية وأراء استشارية لمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وحقائق الواقع الميداني والوثائق التاريخية وكل ما شاهده ملايين من الناس مدى عامين لإبادة بُثت لأول مرة في تاريخ البشر على الهواء مباشرةً. وهذه المفارقة تكشف كيف تصبح الحقيقة في الحرب شديدة الهشاشة، بل ثانوية مقارنةً بالقصص التي يحتاج الناس إلى تصديقها. لكن نموذج "ويكيبيديا"، وعموم المعرفة الافتراضية، يعطي الناس الأمل في أن التاريخ لن يكتبه المنتصرون بعد اليوم.