.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
النجاح الذي أحرزه اللقاء المهم بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ كان حصراً تجارياً، وانطوى على تنازلات مخفيّة من الطرفين كي يحصل كل منهما على ما أراده في هذا المنعطف. حدث نوع من وقف النار في الحرب التجارية، يعتقد الخبراء أنه سيدوم سنة.
ما لم تتطرق إليه القمة الثنائية هو المسائل السياسية التي كان يمكن لها أن تعرقل النجاح، ومن بينها مسألة تايوان، والتحالف في المحيط الهادئ المعادي للصين، والعلاقات بين الصين وروسيا، وإصرار الولايات المتحدة على خفض الصين ترسانتها النووية. هدوء الرئيس ترامب النسبي أبرز استعداده لاستيعاب مبدأ تحقيق المستطاع وتأجيل الصعب إلى "لاحقاً". هذا الأسلوب يبدو وارداً في اللقاءات المقبلة المهمّة للرئيس الأميركي وأبرزها اللقاء مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والذي قد يُعقَد منتصف هذا الشهر في واشنطن، وكذلك اللقاء المحتمل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو هذا الشهر أيضاً. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الاطار هو: ما هي حدود المستطاع، وما هي تداعيات التأجيل المفتوح الأفق زمنياً؟
قبل التعمّق في نقاط التلاقي والافتراق في العلاقات الأميركية مع دول الشرق الأوسط، من الضروري التوقف عند تطوّر لافت الأسبوع الماضي حمل بين طياته تصعيداً باللغة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا.
الرئيس الأميركي أصدر أوامر باستئناف الولايات المتحدة التجارب على الأسلحة الذرية وقال: "بسبب برامج الاختبار التي تقوم بها دول أخرى، وجّهتُ وزارة الحرب ببدء اختبار أسلحتنا النووية على قدم المساواة". أضاف أن المنافسين الرئيسيين لواشنطن، (ولاسيما منهم) الصين وروسيا، "يجرون على ما يبدو جميعاً تجارب نووية... وإذا كانوا يجرون اختبارات، فأعتقد أننا سنجريها أيضاً".
موسكو نفت قيامها بالتجارب النووية واعتبرت أن اختبارها أحدث صاروخ كروز يعمل بالطاقة النووية لا يشكّل تجربة نووية. صاروخ كروز بوريفيستنيك النووي وطوربيد بوسيدون، واقع الأمر، أسلحة قادرة على تدمير مدينة نيويورك عبر تسونامي نووي. وهذا ما أدى بالرئيس الأميركي إلى التحذير من أن الغواصات الأميركية النووية على مقربة من الحدود الروسية، وأعلن أيضاً استعداد الولايات المتحدة للقيام باختبار أسلحة نووية لم يحدّد إن كانت فعلاً تفجيرات تحت الأرض.
التصعيد النووي الأخير يجهّز الأرضيّة لإمكان استئناف السباق بين الدول النووية، وهو أمر بالغ الخطورة خصوصاً أن المستوى التكنولوجي الجديد للترسانة النووية لا يقع تحت إطار الاتفاقات الموجودة بين هذه الدول لاحتواء السباق النووي. الصين ترفض الدخول طرفاً في معاهدة منع السباق النووي. روسيا توسّع بيكار اختبارها النووي لتوجّه رسالة إلى الولايات المتحدة وأوروبا أنها لن تنهار أمام تكثيف تطويق الغرب لها اقتصادياً أو عسكرياً بسبب حربها في أوكرانيا- لذلك تذكّر بقدراتها النووية.
روسيا والصين أسرعتا إلى انتقاد تصريحات الرئيس الأميركي حول الاختبار النووي، علماً أن الولايات المتحدة تُعدّ الدولة النووية الأولى، تليها روسيا ثم الصين. علاقة هاتين الدولتين تشغل بال واشنطن ليس بالضرورة حصراً على الصعيد النووي وإنما على كل الصعد العسكرية والاقتصادية، النفطية والمالية. لكن الرئيس الأميركي تجنّب طرح هذه المسألة أثناء اجتماعه بالرئيس الصيني لأنه أدرك أن الأولوية الضرورية في العلاقات الأميركية- الصينية هي وقف الحرب التجارية العالمية وليس فقط تلك بين الولايات المتحدة والصين.
إذن، تبنّى دونالد ترامب فن المستطاع في إطار فن الصفقة الذي يعتبر نفسه بارعاً فيه. تبنّى مبدأ وقف النار في الحرب التجارية الأميركية مع الصين وتأجيل الحروب السياسية إلى "لاحقاً".
هذا المبدأ سيشق طريقه بالضرورة إلى الشق الثاني من خطة ترامب لغزة، أي الشق المتعلق بأحلام ترامب لمنطقة الشرق الأوسط والتي تحمل عنواناً مضاءً هو الاتفاقات الإبراهيمية، أي التطبيع العربي والإسلامي مع إسرائيل. الرئيس الأميركي أوضح تكراراً أن مفتاح مستقبل انتماء الدول العربية والإسلامية إلى هذه الاتفاقات يكمن في السعودية. فريق ترامب يرى أيضاً أن سوريا مفتاح رئيسي كونها دولة مجاورة لإسرائيل وهو يعمل بجهد لإحداث تلك النقلة الأساسية.
أثناء انعقاد مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار FII التاسع في الرياض الأسبوع الماضي، كانت هناك عناوين عدة بارزة للعلاقات السعودية مع العالم، وبالذات مع قادة الاستثمار الأميركيين الذين تواجدوا بكثرة على مستوى رؤساء إدارة أكبر الشركات الأميركية، من البنوك إلى الذكاء الاصطناعي. كان واضحاً أن التركيز الأساسي تناول استقطاب الاستثمار الأميركي والعالمي في السعودية، وليس فقط الاستثمار السعودي في الاقتصاد الأميركي والذي يريده الرئيس الأميركي أن يكون بمئات المليارات- بل أقرب إلى التريليون دولار.
برز الذكاء الاصطناعي نجماً في المؤتمر. وكان النجم الآخر، بقرار سعودي، الرئيس السوري أحمد الشرع الذي حوّل عنوان المؤتمر "مفتاح" الازدهار إلى سياسةٍ لبلاده، إذ قال إن سوريا في عهده تعرف أن مفتاحها للتعافي هو المملكة العربية السعودية.
تتبنى القيادة السعودية، على أعلى المستويات، مسيرة سوريا نحو التعافي، وهي تتلاقى في ذلك مع إدارة ترامب التي تستثمر بقوة في سوريا وتسعى لإقناع الكونغرس برفع العقوبات كلياً عنها. السعودية تريد سوريا في الحضن العربي كي لا تضطر أن تقع حصراً في الحضن التركي. سوريا مهمّة لجميع دول الخليج العربية من ناحية قطع الطريق على المشروع الإيراني للشرق الأوسط، بالذات ذلك الذي ينص على إخضاع المنطقة العربية عبر الوكلاء والميليشيات.
بالتالي، إن سوريا استثمار مهم للدول العربية الخليجية، كما هي لتركيا، كما هي للولايات المتحدة وأوروبا. وما تعمل عليه واشنطن الآن
هو تمهيد الطريق لاتفاقات أمنية بين سوريا وإسرائيل تؤدّي إلى تطبيع الحدود بين البلدين. كما تسعى واشنطن إلى تطبيع الحدود بين لبنان وإسرائيل إذا اتفق الطرفان على مفاوضات جديّة تكبح الحرب التي تلوح في الأفق.
لا اختلاف في هذه المواقف بين واشنطن والرياض، وبالتالي، عندما يقوم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بزيارة واشنطن، قد تركّز المحادثات على كيفية تعزيز الدعم والتفاهم على المسار السوري بالذات، وكذلك اللبناني. إنما الخلاف حول متطلبات الدفع نحو تطبيع مع إسرائيل من الدول العربية والإسلامية، بالذات السعودية، سيكون حاضراً.
العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ستكون لها الأولوية في اللقاء المزمع بين الرئيس ترامب وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الاستثمارية منها والأمنية بصورة خاصة. ليس سرّاً أن الرياض تريد توطيد الاتفاقات الثنائية مع الولايات المتحدة، وأن واشنطن تصر على أن تكون هي العنوان الأمني الوحيد في إطار العلاقات السعودية مع الدول الكبرى الأخرى. فلا مانع أن تكون الصين شريكاً اقتصادياً مهمّاً للسعودية، أما أن تكون شريكاً أمنياً، فهذا غير مقبول أميركياً.
العثرة أمام توطيد العلاقات الأمنية بصورة نوعية تتطلب مصادقة الكونغرس، وتكمن في الإصرار الأميركي على التحاق السعودية بالاتفاقات الإبراهيمية. الرياض أوضحت على أعلى المستويات جديّة إصرارها على قيام دولة فلسطينية شرطاً مسبقاً لالتحاقها بالاتفاقات الإبراهيمية.
المشكلة أن كثيرين من السياسيين وصناع القرار في واشنطن أقنعوا أنفسهم بأن السعودية غير جديّة في إصرارها على شرط قيام دولة فلسطينية. اعتقدوا أن هذه إما مناورة وإما عثرة يمكن التغلب عليها عبر أفكار خلاقة.
ما لمسته أثناء وجودي في الرياض للمشاركة في مؤتمر مستقبل الاستثمار FII، ونتيجة تواصلي مع سعوديين مخضرمين، يدفعني إلى الإدلاء بنصيحة للأوساط الأميركية المعنية بهذه المسألة: خذوا الموقف السعودي بجديّة.
فالسعودية جديّة في عدم استعدادها لتقبّل إسرائيل ما دامت ترفض الدولة الفلسطينية. كنت أعتقد أن الرياض قد تقبل إخراجاً ما لقيام دولة فلسطينية من نوعٍ أو آخر، إنما من دون أن تكون دولة جديّة بحدود. ما فهمته من المواقف الرسمية والشعبية هو أن السعودية ليست جاهزة لفكرة دولة فلسطينية عائمة مركّبة لتكون دولة بالانطباع، وإنما هي جديّة في شأن قيام دولة فلسطينية جديّة ذات حدود.
قد يتسبب هذا الموقف بإنزعاج في الأوساط الأميركية المتحمسة لالتحاق السعودية بالاتفاقات الإبراهيمية. ما على هذه الأوساط أن تستوعبه هو أن السعودية الرسمية والشعبية ليست مستعدة للقفز على ما فعلته الحكومة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو بالفلسطينيين المدنيين في غزة، من مجازر وتجويع وإبادة مهما بلغ مستوى الغضب من حركة "حماس" وما فعلته في 7 تشرين الأول/ أكتوبر وكان هدفه جزئياً تعطيل التحاق السعودية بالاتفاقات الإبراهيمية.
الأجدى بالرئيس الأميركي أن يميّز بين مسار العلاقات الثنائية المهمّة بين البلدين وبين ربط مصير هذا المسار بالمواقف السعودية من إسرائيل. فإذا استطاع إقناع بنيامين نتنياهو بالموافقة على قيام دولة فلسطينية، يكون شقّ مساراً لا سابق له. أما أن يكون في ذهن الأوساط الأميركية التحايل على فكرة قيام دولة فلسطينية اعتقاداً منهم أن السعودية سترضى، فإن في ذلك مغامرة خاسرة لأن المزاج الرسمي والشعبي ليس إطلاقاً في هذا التوجه، كما لمست.
ماذا في فن المستطاع لدى الرئيس الأميركي عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط؟ دونالد ترامب رجل استثنائي يتمتع بقدرات غير اعتيادية سبق أن طبّقها ويمكن له تطبيقها، إذا شاء، مع الأصدقاء ومع الأعداء. المستطاع يكمن في ضرورة ممارسة الضغط الجديّ على إسرائيل كي تقبل حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية لأن هذه كانت لعقود السياسة الأميركية، وهي سياسة على إدارة ترامب التزامها جديّاً وليس بهلوانياً.
المستطاع في يد دونالد ترامب هو أن يعدل بحق الفلسطينيين في دولة مجردة من السلاح، فيما يستمر في ضمان أمن إسرائيل بعلاقة لا مثيل لها بين الولايات المتحدة وأي حليف. المستطاع هو الضغط الحقيقي على إسرائيل بجميع أطيافها السياسية والشعبية ليقول لها أن أميركا لن تدللها، كما في السابق، بلا حدود وبلا محاسبة.
المستطاع يكمن في قدرة دونالد ترامب على شق الطرق بصورة غير اعتيادية لأنه يستوعب المستقبل برؤيوية. فليته يفعل.