هالويننا أحسن

كتاب النهار 01-11-2025 | 06:05
هالويننا أحسن
هل جربنا أن نجد "ساسي" الخاص بنا لنحارب نار "الهالوين" بنار مثلها؟ هل جربنا أن نجد "ساسي" العربي، والمرتدي لأزيائنا، والمنبعث من أزقتنا، والمستلهم من فولكلورنا؟
هالويننا أحسن
الرئيس الأميركي دونالد ترامب والسيدة الأولى ميلانيا ترامب خلال حفل الهالوين في البيت الأبيض في 30 أكتوبر 2025.
Smaller Bigger

حينما يطرق المحتفلون بـ"الهالوين" أبواب البيوت، فإنهم يخيّرون سكّانها بين إعطائهم الحلوى، وبين التعرّض لـ"خدعة" أو "مقلب". وهذا التهديد بالقيام بالمقالب هو الذي جعل البرازيليين يدركون بأن لديهم في الواقع "الهالوين" المحليّ الخاص بهم، وبأنهم ليسوا بحاجة إلى ذلك المستورد.

فتّش البرازيليون، وفتّشوا جيداً، عما يخلّصهم من المناسبة الأجنبية التي تعكس تأثيراً أميركياً طاغياً على الثقافة، فعثروا على "ساسي" في فولكلورهم الناتج عن اختلاط الأساطير الأوروبية والأفريقية وأساطير شعب "توبي"، وهم أحد السكان الأصليين للبلاد. "ساسي" -بحسب الأساطير- رجل أسود، يرتدي قبعة سحرية حمراء، ويقف على ساق واحدة، إذ تبدو ساقه الأخرى مبتورة. ولأنه مخادع ويعشق المقالب، فهو يختفي فجأة، ويظهر فجأة في قلب زوبعة رملية هوجاء. وتقول الأسطورة بأنك إذا تمكّنت من التفوق عليه في الخداع والمقالب، فسرقت قبعته السحرية، أو حبسته في زجاجة، فإنه سيحقق لك أمنياتك صاغراً.

وكانت ولاية ساو باولو السبّاقة في تخصيص الـ31 من تشرين الأول/ أكتوبر للاحتفال بـ"يوم ساسي" عوضاً عن "الهالوين"، ثم حذت بقية البرازيل حذوها في 2010، وجعلتها مناسبة سنوية رسمية.

يؤسفني هنا أن أخرّب النهاية السعيدة التي توقعتموها للشجعان الذين لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام سطوة "الهالوين". لقد أخفق "يوم ساسي" إخفاقاً ذريعاً، فالبرازيليون المحتفلون به قلّة مستضعفة، بينما شعبية "الهالوين" تتزايد سنوياً.

وأنا أقاسم هؤلاء البرازيليين حسرتهم، إذ أمر بواجهات المتاجر التي يطغى عليها اللونان الأسود والبرتقالي، وأتابع تدافع الناس لشراء الأقنعة والأزياء التنكرية، وعلى وجهي قناع من الحيرة الشديدة، لأنّي عاجزة عن مجرّد فهم ماهية "الهالوين". فما العلاقة بين جمع الحلوى ومشاهدة أفلام الرعب؟ ولم تُنحت ثمرة اليقطين تحديداً؟ ولمَ التنكّر؟ ولم يُهرع المثقفون لاستذكار قصائد إدجار آلان بو؟ أتلقى كذلك الدعوات لحفلات "الهالوين" فأتفاداها، لأنّي ببساطة لا أستطيع مواكبة بهجتهم بالمناسبة الدخيلة، والتي لم يكد يكون لها أثر في مجتمعي الإماراتي قبل 20 عاماً.

وأشاطر هؤلاء البرازيليين كذلك غيرتهم على هويتهم، فليسوا وحدهم من يستنكرون هذه "الأمركة" الجارفة للمجتمعات! وليسوا وحدهم من أرادوا أن يصرخوا في صغارهم ومراهقيهم، "ليس الهالويين لنا! كفوا عن تقليد الآخرين"!

ومثلما فشل "يوم ساسي" الذي ابتدعه البرازيليون، فقد فشلت حتى الآن كل المساعي لدينا لتحريم وتبديع "الهالوين"، ومنعه بالقوة، والتشنيع عليه أخلاقياً. كما فشل ربطنا له بالوثنية وبعبادة الشيطان، وهي الحجج التي "استعرناها" من الطوائف المسيحية الغربية المعادية لـ"الهالوين"، كالإنجيليين وشهود يهوه.

ولكن مهلاً!

هل جرّبنا أن نجد "ساسي" الخاص بنا لنحارب نار "الهالوين" بنار مثلها؟ هل جرّبنا أن نجد "ساسي" العربي، والمرتدي لأزيائنا، والمنبعث من أزقتنا، والمستلهم من فولكلورنا؟ هل جربنا أن "نختلق" مناسبة ستترك زينة "الهالوين" تتكدّس في المستودعات، وستضطر مدارسنا إلى الكفّ عن الاحتفال بالعيد الأميركي الغريب؟ وهل سيضرنا مجرد التجربة؟