هل تبقى الفاشر مجرد حدثٍ مروع آخر في أرشيف مروع؟ (أ ف ب)
هل بقي أمل بعد مجازر الفاشر؟ نعم، لكنه أمل دقيق كالشعرة، يمكن أن ينقطع في أي لحظة إذا ظلت البنادق أعلى صوتاً من الضمائر. ما جرى في الفاشر ليس حدثاً عابراً في حربٍ طويلة؛ إنه لحظة كاشفة تُعرّي بنية العنف في السودان وتضع الجميع، في الداخل والإقليم والعالم، أمام سؤالٍ أخلاقي وسياسي واحد: هل لدماء الضحايا قيمة؟ إذا كانت الإجابة نعم، فلا بد أن يتغير كل شيء. طريقة إدارة الحرب، ومسارات الوساطة، ومفاهيم العدالة، وشبكات التمويل التي حوّلت الذهب والتهريب إلى رئة تتنفس منها آلة القتل. الفاشر لم تكن مجرد مدينة محاصرة؛ كانت عقدة إنسانية وسياسية، ملجأً لعشرات الألوف، وآخر ما تبقى من حضورٍ رسمي للجيش في دارفور، وممراً لوجستياً يربط غرب السودان بعمقه. انهيارها لم يُسقط حيّاً أو حيّين، بل أسقط وهم "الانتصار السهل" لدى الطرفين، وأظهر أن الحرب ماضية نحو واحد من ثلاثة مسارات: حرب مطوّلة تتشظّى فيها الجغرافيا والمجتمع، أو تقسيم بحكم الواقع يثبّت خطوط تماس قابلة للاشتعال في أيّ لحظة، أو تسوية قسرية تفرضها إرادة من الداخل مدعومة بسقف دولي موحّد ومساءلة لا تعرف الانتقائية. ولئلا يضيع السؤال في ضجيج الدم، يلزم أولاً ترتيب المسؤوليات بقدر الإمكان: قوات الدعم السريع تتحمل القِسط الأوفر من المسؤولية المباشرة عن مجازر الفاشر وسلوكيات الحرب ضد المدنيين، بحكم الوقائع الميدانية وأنماط الانتهاكات المتكررة، وهذا يوجب مساءلة جنائية لا مساومة فيها. الجيش، في المقابل، يتحمل مسؤولية بنيوية ...