.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
أياً كانت خلاصات مجلس الأمن بعد زوال أمس الجمعة، فإن المغاربة مقبلون الأسبوع التالي على احتفالات تاريخية بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء التي مثلت حدثاً بارزاً وفاصلاً في موضوع تصفية الاستعمار في الصحراء المغربية.
ومنذ ذلك التاريخ تشكل الذكرى لحظة وطنية للتأمل في المسار الطويل الذي قطعه المغرب لإثبات شرعية سيادته على أقاليمه الجنوبية؛ فخلال الخمسة عقود الأخيرة كان المغرب يواجه مشاريع تفتيت وحدته الترابية بكثير من الصبر والحزم والوضوح، سواء في علاقته بالأمم المتحدة أو بالدول الكبرى، بل حتى بالجزائر، التي تحتضن جبهة البوليساريو الانفصالية على أراضيها، وتؤمن لها الدعم المالي والعسكري والسياسي والديبلوماسي.
حدث المسيرة الخضراء يتجاوز كونه ذكرى وطنية يجري الاحتفال بها سنوياً إلى ما هو أوسع من ذلك، بحيث يمثل صفحة مهمّة في تاريخ المغرب المعاصر، لأنه ارتبط بموضوع تصفية الاستعمار واستعادة جزء أساسي من التراب الوطني، الذي مزقته القوى الاستعمارية منذ اتفاقات الجزيرة الخضراء، سنة 1906 وما قبلها. فالمغرب، الذي كان يمثل إمبراطورية مترامية الأطراف في شمالي وغربي إفريقيا والأندلس على امتداد الأسر التي حكمت المغرب، اقتطعت منه القوى الاستعمارية المختلفة أجزاء واسعة لخدمة المشروع الاستعماري القائم على استغلال الموارد الطبيعية في المنطقة إضافة إلى استثمار موقع المغرب الجيوستراتيجي.
خطاب الملك محمد السادس في السنة الماضية، لمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء، جاء مثقلاً بالرسائل خاصة في اتجاه الأمم المتحدة والجزائر من دون تسميتها. يظهر ذلك بوضوح من خلال ما يأتي:
أولاً - الشرعية الشعبية
المسألة الأولى التي أشار إليها الملك محمد السادس هي تشبّث ساكنة الصحراء بمغربيتهم ومقدّساتهم الوطنية ضداً لكل المؤامرات والدعايات التي تستهدفهم منذ أزيد من خمسين سنة. هذا الارتباط والتشبث يقوم أساساً على البيعة المستمرة عبر التاريخ لملوك المغرب، يضاف إلى ذلك ما أظهرته ساكنة الصحراء من إقبال على المنافسة الديمقراطية في الانتخابات الدورية التي عرفتها المنطقة منذ عودتها إلى الوطن الأم، والتي تميّزت على الدوام بنسب مشاركة عالية وقياسية بما يتجاوز كلّ المناطق المغربية الأخرى.
ثانياً: تنمية الأقاليم الصحراوية
المسألة الثانية التي أكد عليها الخطاب الملكي هي ما يقوم به المغرب من جهود نهضوية وتنموية في الأقاليم الصحراوية التي تنعم بالأمن والاستقرار عكس الدعاية الانفصالية التي تتحدث عن الحرب والمواجهات العسكرية. الاهتمام بالمنطقة يجسّده المغرب على الأرض من خلال برنامج تنمية الأقاليم الصحراوية، والذي تصل قيمته إلى 77 مليار درهم، إذ أكد الملك محمد السادس في مناسبات سابقة على استمرار مشاريع التنمية في الصحراء، مع تثمين الواجهة الأطلسية من خلال التجهيزات اللوجيستية والمينائية، الاقتصاد البحري، السياحة البحرية، مع استثمار كل الفرص الاقتصادية في المنطقة سواء بالنسبة إلى الرأسمال الوطني أم الأجنبي.
ثالثاً - الدعم الدولي للسردية المغربية
يتجلّى ذلك بوضوح في سلسلة المواقف الدولية التي صدرت في السنوات الأخيرة، والتي تعلن بكل شفافية ووضوح الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على الصحراء، وفي صلبه دعم مبادرة الحكم الذاتي حيث إن قرابة 85 في المئة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تدعم المغرب، منها ثلاثة أعضاء دائمين في مجلس الأمن، الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا، ونحو 22 دولة من مجموع 27 دولة في الاتحاد الأوربي، بمن في ذلك إسبانيا المستعمرة السابقة للمنطقة، وألمانيا والبرتغال. هذا الدعم الواسع ظهر جلياً في مسوّدة قرار مجلس الأمن بخصوص الصحراء حيث كان واضحاً في موضوعي السيادة والحلّ الذي تمثّله مبادرة الحكم الذاتي.
رابعاً - الخصوم يعيشون في عالم منفصل عن الواقع.
في هذا الإطار، أثار الملك محمد السادس التناقضات التي يعيشها خصوم المغرب، مع تسليط الضوء على جوانب ذات أبعاد تاريخية ظلّ مسكوتاً عنها، وكذلك توظيف البعض قضية الصحراء للتغطية عن الأوضاع الداخلية (...).
في زاوية التناقضات، أشار إلى أن هناك من يطالب بالاستفتاء، رغم تخلّي الأمم المتحدة عنه منذ الإقرار بفشل مسلسل التسوية في بداية التسعينيات من القرن الماضي، واستحالة تطبيقه. لكن ذات الطرف الذي أفشل مسلسل تحديد هوية من يحق لهم التصويت في الاستفتاء، يرفض مجرد السماح بإحصاء المحتجزين في مخيمات تندوف، والذين يقدّمهم كلاجئين من دون تمكينهم من الحد الأدنى من حقوقهم التي تحدّدها الاتفاقيات الدولية ذات الصلة؛ وبدلاً عن ذلك يقول العاهل المغربي"يأخذهم كرهائن، في ظروف يرثى لها، من الذل والإهانة، والحرمان من أبسط الحقوق". هذه النقطة من المتوقع أن يكون مجلس الأمن قد حسمها من خلال الدعوة إلى إحصاء ساكنة تيندوف لوضع حدّ لمنطق الدروع البشرية، الذي تعاملت به البوليساريو والجزائر مع ساكنة مخيمات الحمادة، التي تضم خليطاً من الصحراويين المغاربة والجزائريين والموريتانيين والماليين، وهو مطلب مغربي وأممي امتدّ لسنوات.
وفي ما يتعلق بالمسكوت عنه، قال الملك محمد السادس بشكل واضح إن "هناك من يستغل قضية الصحراء للحصول على منفذ على المحيط الأطلسي"، ويعلم الجميع بأن هذا حلم راود حكّام الجزائر منذ عقود، وكان من مشمولات اتفاقية الحدود بين البلدين، ومنها ما هو مضمن في ملحق اتفاقية الاستغلال المشترك للحديد الموجود في غارة جبيلات وتصديره عبر المحيط الأطلسي. الملك قال بوضوح وفي رسالة تحمل أكثر من معنى : "نحن لا نرفض ذلك؛ والمغرب كما يعرف الجميع، اقترح مبادرة دولية، لتسهيل ولوج دول الساحل للمحيط الأطلسي، في إطار الشراكة والتعاون، وتحقيق التقدم المشترك، لكل شعوب المنطقة"، بمعنى أن المغرب منفتح بعمق استراتيجي أكبر من حدوده الشرقية، وأن المصالح الاقتصادية المشتركة يمكن أن تكون بديلاً عن التسويات السياسية التاريخية الشجاعة التي لم تنجح القيادات الجزائرية على مدى عقود في تحقيقها، لأنها لا تتحرك بمنطق المصالح المشتركة ورابح رابح، بل تنطلق من حساسيات شخصية ونفسية يلعب فيها التاريخ دوراً بارزاً، بالإضافة إلى فشل مشروع بناء الدولة الوطنية القائمة على هوية واضحة؛ ووضوح تلك الهوية يقوم أساساً على الإقرار بوقائع التاريخ كما هي بدل تحويلها إلى عقد تقود السياسة...
رسائل الخطاب الملكي لم تقتصر على الجارة الشرقية، بل كان للاتحاد الأوروبي نصيب منها أيضاً، خاصة عندما قال الملك محمد السادس على أن "هناك كذلك من يريد الانحراف بالجوانب القانونية، لخدمة أهداف سياسية ضيقة"، وذلك في ارتباط بقرار محكمة العدل الأوروبية الذي أسقط الأقاليم الجنوبية للمملكة من الاتفاقيات الفلاحية، وتلك المتعلقة بالصيد البحري التي تجمع المغرب بالاتحاد الأوروبي، مجيباً بوضوح وحزم بأن "الشراكات والالتزامات القانونية للمغرب لن تكون أبداً على حساب وحدته الترابية، وسيادته الوطنية" .
خامساً - مسؤولية الأمم المتحدة
التشخيص السابق، ووضوح الرؤية التي عبر عنها الملك محمد السادس، سيتواصلان عندما وجّه الحديث بشكل مباشر إلى منظمة الأمم المتحدة، التي تحوّلت إلى مجرد غرفة للتسجيل وسرد وإعادة سرد ما تعبر عنه الأطراف بصيغ إنشائية لا تأخذ بعين الاعتبار مسؤولية الأطراف وضرورة كشف مسؤوليتهم أمام الرأي العام الدولي وترتيب ما يجب ترتيبه من جزاءات وما يجب اتخاذه من قرارات. وفي ذلك يقول الملك "لقد حان الوقت لتتحمل الأمم المتحدة مسؤوليتها، وتوضح الفرق الكبير، بين العالم الحقيقي والشرعي، الذي يمثله المغرب في صحرائه، وبين عالم متجمد، بعيد عن الواقع وتطوراته". وهذا ما استجابت له الأمم المتحدة في أقل من سنة لتفتح مساراً جديداً يكرس السيادة المغربية على الصحراء.