.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لا يمكن قراءة مشهد الدعوات الحالية لإعادة إعمار غزة، وما رافقها من تحركات شعبية ورسمية، دون تفكيك البنية العميقة التي تحكم العلاقة بين القضية الفلسطينية كمعاناة شعب، والقضية الفلسطينية كمشروع سياسي، فيما يتكرر في كل دورة دموية النمط ذاته: الحرب تُعلن باسم "المقاومة"، التضحيات يدفعها المدنيون، الدمار يُخلّف كارثة إنسانية، ثم تبدأ مرحلة التبرعات والإعمار، كأن الدم الفلسطيني أصبح سلعة دورية تُستهلك، ثم يُموّل تنظيف آثارها من خارج حسابات من تسبّبوا بها.
وما يلفت النظر في السياق الحالي هو حجم التناقض بين الخطاب المقاوم، الذي تتبناه "حماس" ومن يدور في فلكها، والخطاب الإنساني البسيط الذي يُطلب من المواطن العربي أن يتبناه حين يُستدعى للتبرع؛ ففي لحظة الحرب، يُطلب من الشعوب التصفيق لصواريخ "المفاجأة"، ولما يُوصف بـ"إنجازات وحدة الساحات"، ثم حين يسكن الدخان، يُعاد توجيه الخطاب ذاته إلى هؤلاء الفقراء، ليُطلب منهم أن يدفعوا ثمن قرار لم يكونوا طرفاً فيه.
التحليل العميق لهذا المشهد يفرض التوقف أمام مفهوم "المقاومة بالتوكيل"، الذي تمأسس سياسياً منذ عقود، لا كحالة شعبية طبيعية ضد الاحتلال، بل كأداة تستخدمها تنظيمات إيديولوجية ضمن شبكة علاقات إقليمية، يتداخل فيها الدعم المالي مع التوظيف الإعلامي والتعبئة العقائدية، فتتحوّل غزة من كيان سياسيّ جغرافيّ إلى منصّة مستمرة لتجديد الشرعية الخطابية لحركات مثل "حماس" وتنظيمات كالإخوان المسلمين.
وما يحدث بعد كلّ معركة ليس محاولة نقد أو تقويم، بل عملية تسويق جديدة للدمار، وتوجيه سياسي محسوب للتمويل، حيث يصبح التبرّع فعلًا إيديولوجياً أكثر من كونه فعلاً إنسانياً. والمفارقة أن من يطلب المال الآن هم أنفسهم من تفاخروا بما سموه "طوفان التأييد الشعبي" الذي أُغدق عليهم بعد اندلاع المعركة. ورغم هذا، لا نرى أثراً في علاج البنية التحتية، ولا في دعم الأسر المنكوبة، بل نرى فقط أن الحاجة مستمرّة لتمويل خارجي، يُنتزع من دول تعاني شعوبها من الفقر والتضخم وانعدام الأمل، ما يطرح سؤال جوهري: أين ذهبت تلك المليارات التي تدفقت على المقاومة على مدى عقود؟ ولماذا لم تُفعل آليات الرقابة والمحاسبة على تدفق الأموال في بيئة سياسية تُدار بلا شفافية أو مساءلة؟
في هذا السياق، يُعقد مؤتمر دولي في القاهرة الشهر المقبل لإعادة إعمار غزة. ورغم أهمية هذه المبادرة، فإن أهم سؤال فيها ليس "من سيدفع؟"، بل "من سيشرف؟"، و"كيف ستُضمن نزاهة التوزيع؟"، و"هل سيكون هناك تفريق بين إعمار غزة كأرض ومجتمع، وبين ترميم النفوذ السياسي لفصيل معين؟ فالتاريخ القريب يقول إن مليارات الدولارات التي أُنفقت سابقاً، لم تحلّ الأزمة، بل أدارتها، وأبقتها حيّة، لأنها صُرفت دون رؤية طويلة المدى، وذهب بعضها إلى جيوب المنتفعين، خصوصاً أن كل الوقائع تشير إلى تمسك "حماس" بوجودها ضمن المشهد في المستقبل، واجتماع الفصائل الفلسطينية أخيراً في القاهرة كان مناسبة لتطرح فيه الحركة ما يخالف الاتفاق الذي وافقت عليه لوقف الحرب في غزة.
إن العامل الأكثر استفزازاً في هذا المشهد هو غياب المسؤولية السياسية، حيث تغيب المحاسبة تماماً عن الفاعل الأساسي في المشهد: "حماس"، التي تقرر الدخول في حرب مفتوحة، لا تخضع لأي مساءلة سياسية داخلية أو خارجية، لا من الشعب الفلسطيني، ولا من الجهات الإقليمية، بل يجري تصويرها على الدوام كضحية مطلقة، حتى حين تكون هي من ضغط على الزناد أولًا؛ وبهذا المعنى، يتحول الفعل المسلح من أداة مقاومة إلى محرّك خطاب يُستخدم لتبرير كلّ شيء: القمع، والفساد، وغياب الشفافية، وتكريس سلطة أحادية لا تنافسها شرعيّة أخرى.
في السياق ذاته، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الدور العربي الرسمي والشعبي يُستدعى دوماً للقيام بعملية "ترميم ما بعد الحريق" ضمن مسلسل إعادة إعمار غزة: مصر تُطلق حملات، ودول الخليج تموّل، ودول أوروبية تعِد، بينما يغيب كلياً محور "الممانعة"، وتغيب إيران، التي لطالما صوّرت نفسها كحاضنة أساسية للمقاومة، بينما في الحقيقة، كلما انتهت الحرب، ينسحب الحلفاء المزعومون، ويتركون للعرب مسؤولية دفع الفاتورة الأخلاقية والمالية، كأن التضامن مع فلسطين بات ديناً لا يسقط، حتى لو تخلّى "أصحاب المقاومة" عن تسديد نصيبهم منه.