.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
هناك ضغوط تبدو حقيقية على نتنياهو وحكومته بشأن تنفيذ خطة ترامب في غزة، ضغط كان يمكن ملاحظته وهو يتدحرج منذ قصف سلاح الجو الإسرائيلي العاصمة القطرية الدوحة ومحاولة اغتيال قيادة "حماس" ووفدها المفاوض، العملية التي فاقم فشلها الأمر تماماً.
رغم المستوى الذي وصلته هذه الضغوط، تصريحات ترامب المتواصلة، اندفاع بنود الخطة ووضعها على الأرض عبر مركز التنسيق، ووصول جنود الولايات المتحدة إلى مركز التنسيق جنوب تل أبيب، تحليق المسيّرات الأميركية فوق غزة كجزء من منظومة الرقابة، فريق ترامب ومستشاريه الذين توافدوا على إسرائيل وتجولوا في اجتماعات المؤسسة الأمنية ومكاتب المستوى الأول للقيادة في إسرائيل، ويتكوف، كوشنر، روبيو وفانس وضباط القيادة المركزية، يمكن هنا إضافة اختفاء مداخلات السفير الأميركي في تل أبيب هكابي ورؤاه التوراتية، الذي وصفه مساعد ترامب السابق ستيف بانون ب"المهرج"، إلى جانب إشارات أخرى كثيرة يمكن التقاطها في التفاصيل.
ورغم ذلك ينبغي النظر إلى هذه الضغوط بكثير من الحذر. الضغط الأميركي على إسرائيل موضوع نسبي تماماً، مثل درب غير مطروق تنقصه الخبرة ومخزون ذاكرته فقير وأرشيفه محدود، بحيث يبدو أقرب إلى الارتجال منه إلى السياسة، ضغط قائم على الرعاية والتصويب.
يمكن ملاحظة ذلك في الخطاب نفسه، لا يوجد نص متماسك يمكن تقديمه كسياسة، بقدر ما يبدو مثل نفاذ صبر أو نصيحة جانبية، أو "لقد ذهبتم بعيداً"، أو "دعنا نحاول إصلاح الأمور دون المس بالمكاسب، أنتم أقوياء ومنتصرون، ولديكم ما يكفي من الانتصار".
خليط من الاسترضاء والتسريب، بينما يواصل ترامب ومبعوثوه زج رغبات إسرائيل وأهداف حربها في المتن، وتحويل حاجاتها، الأمنية والسياسية، إلى روافع لهذا الخطاب، وهذا يشمل، من دون شك، توفير ضوء برتقالي لنزعة العنف في إسرائيل سواء إطلاق يد المستوطنين في الضفة الغربية، أو إطلاق يد الجيش في لبنان.
طرائق ترامب تبدو مختلفة تماماً وغير متوقعة، إنه يذهب إلى "الضغط الأقصى"، من دون مقدمات أحياناً. في إسرائيل يبدو أن ماكينة صد الضغوط قد فقدت الكثير من قوتها، وتضررت بشكل واضح قوة اللوبي اليهودي في واشنطن وتراجع نفوذه في أروقة الكونغرس من جهة، وظهر افتقارها إلى الوقت والمرونة لتغيير آلية الصد ولغة المواجهة من جهة ثانية، إذ، على سبيل المثال، سيكون من الصعب جداً لنتنياهو أن يحصل على فرصة الوصول إلى منبر الكونغرس من وراء ظهر ترامب، كما فعل على التوالي مع الرئيسين الديموقراطيين أوباما وبايدن، وعليه أن يكتفي بالمقاومة السلبية بالغة الحذر، وهو يفعل ذلك.
كما أن ترامب يدرك، رغم كل شيء، ما الذي تعنيه استطلاعات الرأي في الشارع الأميركي وأثرها على شعبيته التي يحرص عليها. آخر استطلاع لـ"رويتر- إبسوس" أشار الى أن 59% من الأميركيين يؤيدون الاعتراف بالدولة الفلسطينية بينما يعارضها 33%. في التفاصيل يوضح الاستطلاع أن 41% من الجمهوريين يؤيدون ذلك بينما يؤيده 80% من الديموقراطيين، هذه أرقام سيتوقف أمامها، من دون شك، رجل مثل ترامب.
في تطوير مفاجىء لهذا السياق، مثل طفرة في الخط البياني، جاء تصريح الرئيس الأميركي حول إطلاق سراح مروان البرغوثي، يداً قوية تضغط على العصب الحساس للطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي.
يحضر اسم مروان، بالنسبة للرئيس الأميركي، من واقع غياب "القائد" الموحّد في الجانب الفلسطيني، "ليس لديهم قيادة، عباس جيد وأنا أحبه، ولكنه غير كاف" يقول ترامب بطريقته.
سؤال القيادة في المشهد الفلسطيني مطروح بقوة منذ سنوات، سؤال يأتي من الانقسام المزمن في المشهد والذي تعزز وتعمقت خطوطه بموازاة انقلاب "حماس" واستيلائها على حكم قطاع غزة في صيف 2007، وهو يأتي من غياب الانتخابات منذ العام 2006، ومن تقدم الرئيس محمود عباس في السن، ومن شبهات سوء الإدارة والفساد التي تحيط بالسلطة في رام الله، ومن الفجوة المتسعة حد العزلة التي نشأت بين الشارع الفلسطيني والرئاسة ونخب النظام، وهشاشة القوى الفصائلية وضعف نفوذها في الشارع.
ولكن استحضار اسم مروان ترك أثره مباشرة على المشهد، وبدا مثل إجابة على "سؤال القيادة" المطروح فلسطينياً، نوعاً من الخلاص الذي لم توفره الانتخابات المؤجلة، أو تعثر برنامج الإصلاحات وحزمة التعيينات في مواقع السلطة ومنظمة التحرير، ما يشكل بديلاً شعبياً لمرحلة طويلة من الركود.
الصدمة، التي تبدو مقصودة، يمكن ملاحظتها في إسرائيل أيضاً، عبر الرد المباشر لوزير الشرطة والسجون في حكومة نتنياهو إيتمار بن غفير، الذي رفض الفكرة بعد مقدمة، أصبحت تقليداً، في تبجيل الرئيس الأميركي، بينما سارعت المحامية فدوى البرغوثي زوجة مروان النشيطة، إلى التقاط التصريح ووجهت رسالة إلى الرئيس الأميركي جوهرها أن "هناك شريكاً لك في السجن الإسرائيلي".
ليس واضحاً مدى جدية الفكرة وإلى أي مدى يمكن أن يذهب بها "ترامب"، ولكن السياق الذي وضعها فيه يشي بتداولها ضمن أفكار البحث عن صياغة "اليوم التالي" في غزة.