.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
عمري 8 سنوات. أتبوّأ المقعد الخلفي لسيارة "نيسان" تقطع الطريق الصحراوية بين دبي والعين، وأحاول تزجية الوقت بقراءة مجلات "ماجد" حتى يهزمني دوار الحركة. بين الفينة والأخرى، أرفع رأسي لأحدّق باندهاش طفولي في الزجاج الأمامي للسيارة، إذ تصطدم به الحشرات دون هوادة وتموت شرّ ميتة، حتى تضطرنا كثافتها إلى استخدام ماسحتي الزجاج.
أما بعد مضي ربع قرن من الزمن، فإني أقطع ذات الطريق الصحراوية بسيارتي، وحتى في عزّ القيظ المرتبط بظهور الحشرات، ويبقى زجاجي الأمامي خالياً من "الجثث". وأراهن بأن جميعكم قد لاحظتم "ظاهرة الزجاج الأمامي للسيارة" -وفق ما يلقبها علماء الحشرات أنفسهم- على اختلاف أوطانكم ومناخاتها وتضاريسها، فالظاهرة رُصدت في كل أنحاء العالم.
الزجاج الأمامي لسياراتكم "نظيف" لأن الأرض فقدت ربع عدد حشراتها منذ 1990. يموت سنوياً 2.5% من إجمالي حشرات الكوكب، حتى أصبح 40% من أنواع الحشرات تشهد تناقصاً في أعدادها، والثلث مهدد بالانقراض، وبوتيرة مقلقة أسرع بـ8 مرات من وتيرة انقراض الطيور والثدييات والزواحف. والأسباب متعددة لاختفاء الحشرات، مثل التغير المناخي، وإزالة الغابات، والتصحر، والتلوث، واستخدام المبيدات الحشرية، وجميعها تشير إلى المهندس الأبرز للمجزرة: الإنسان.
وقبل أن تغلقوا المقالة استخفافاً، أو تتنفّسوا الصعداء فقط لأنكم -مثلي تماماً- تتقزّزون من الحشرات، فلتتعرفوا على التبعات المريعة للظاهرة، والتي ستجعلكم تبكون حنيناً إلى أيام اتّساخ زجاج سياراتكم الأمامي.
أولاً، بغياب الحشرات، ستنهار الأنظمة البيئية التي كانت تشكّل فيها مصدراً رئيساً، وأحياناً وحيداً، للطعام. مبدئياً، سوف تفنى بعض أنواع الطيور والوزغات والضفادع والأفاعي والقنافذ والخفافيش، وحتى بعض الأسماك. ثم ستفنى الحيوانات التي كانت تقتات بدورها على هذه الحيوانات، وستسقط تباعاً بقية السلسلة الغذائية المطولة انتهاء بالإنسان. عموماً، لن تصمد معظم أنواع الطيور والبرمائيات على الكوكب سوى شهرين من دون الحشرات.
ثم تحضّروا لتفاقم الاتكال على الأسمدة والمبيدات الصناعية بأضرارها، وتجهّزوا للانتشار المرعب للأمراض التنفسية، والعقم، والسرطانات، والألزهايمر والباركنسون، فلن تعودوا تتمتعوا بالخدمات المجانية للحشرات المفيدة مثل الدعسوقة، التي كانت تتغذى على الآفات فتخلصكم منها.
أما الطامة الكبرى التي يتوعدكم بها زجاج سياراتكم الأمامي اللامع، فتتعلق بأمنكم الغذائي.
75% من النباتات المزهرة، و35% من المحاصيل، تعتمد مباشرة على الحشرات لتلقيحها. وإذا اكتملت المذبحة الإيكولوجية للحشرات، فأقولها لكم بالفم الملآن: اِنسوا السمسم المخلوط بزعتر مناقشيكم، وشاي إفطاركم، وحليب اللوز في الشاي. اِنسوا الفول المدمّس والبصل، والطماطم والخيار والفليفلة. اِنسوا التفاح والخوخ والأفوكادو والكيوي والمانجو. وإذا كنتم من عشاق "بيري" وأخواتها، فانسوا الفراولة والتوت البري والتوت الأزرق. اِنسوا القطن في لباسكم، والكاكاو في حلوياتكم، وبذور عباد الشمس في جلساتكم، والأقحوان في مزهرياتكم. باختصار: اِنسوا الحياة.
ليست مجرد حشرات تنسحق على الزجاج الأمامي للسيارات، فتُمسح ويمضي العالم قدماً، بل باتت هذه الكائنات مؤشراً ملحاً على احتضار كوكبنا.