لماذا استهداف المغرب؟ ولماذا الآن؟

كتاب النهار 24-10-2025 | 04:11
لماذا استهداف المغرب؟ ولماذا الآن؟
يوشك المغرب والأمم المتحدة نهاية هذا الشهر على طيّ ملف الصراع المفتعل حول الصحراء المغربية، عبر اعتراف أممي نهائي بسيادته على أقاليمه الجنوبية، كما يظهر في مسودة قرار مجلس الأمن. هذا التحول التاريخي يزعج خصوم المغرب الإقليميين...
لماذا استهداف المغرب؟ ولماذا الآن؟
الملك محمد السادس خلال حفل تقديم وإطلاق أشغال إنجاز المركب الصناعي الجديد لمحركات الطائرات في النواصر. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في مقال الأسبوع الماضي، تساءلتُ: لماذا يتعرض المغرب لحرب هجينة من حروب الجيل الخامس؟ تلك الحرب التي سبقتها هجمات سيبرانية، وحملات إعلامية تضليلية، وتوظيف مكثف للمنصات الرقمية بهدف التحكّم في الإدراك العام، واستثمار ما يسميه عدد من الباحثين "فجوة التوقعات"، أي الربط الآلي بين تطور الحياة السياسية والديموقراطية والاقتصادية وتوزيع ثمارها في الدول التي تعرف عمليات انتقال. يجري كل ذلك عبر استغلال مساحات حرية التعبير التي تميز البيئة السياسية في المغرب، الذي تصدّر مؤشر الديموقراطية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2024.

اليوم، يبرز سؤال آخر: لماذا يُستهدف المغرب الآن؟ الجواب يرتبط بسياق إقليمي ودولي حساس، إذ يوشك المغرب والأمم المتحدة نهاية هذا الشهر على طيّ ملف الصراع المفتعل حول الصحراء المغربية، عبر اعتراف أممي نهائي بسيادته على أقاليمه الجنوبية، كما يظهر في مسودة قرار مجلس الأمن. هذا التحول التاريخي يزعج خصوم المغرب الإقليميين الذين فشلوا في مجاراته تنموياً واقتصادياً.

لقد حدد المغرب في نموذجه التنموي الجديد هدف الالتحاق بنادي الدول الصاعدة في أفق 2035، عبر مضاعفة الناتج الداخلي الخام إلى 300 مليار دولار، وتوسيع الطبقة الوسطى، وضبط معدلات البطالة. وقد تضاعف الناتج الداخلي الخام ثلاث مرات بين سنتي 1999 و2024، من 43 إلى 133 مليار دولار، وانتقل في مؤشر التنافسية العالمية من الرتبة 130 إلى 53. هذه القفزة رافقها استثمار ضخم في البنيات التحتية: ميناء طنجة المتوسطي كأكبر ميناء في أفريقيا والبحر المتوسط، شبكة طرق سيارة وسريعة تربط الأطلس الكبير والمتوسط بمقدمة الريف والبحر الأبيض المتوسط، تمديد القطار فائق السرعة نحو أكادير، إنشاء “الطرق السيارة للماء” بين الأحواض المائية، وسلسلة محطات لتحلية مياه البحر لتأمين المياه الصالحة للشرب للسكان في المدن الساحلية. كما يبرز مشروع ميناء الداخلة الأطلسي الذي سيجعل من الجنوب منفذاً لدول الساحل والصحراء على التجارة العالمية، إلى جانب الاستثمار الكبير في الطاقات النظيفة: الشمسية، الريحية، والهيدروجين الأخضر.

هذه الإنجازات تحققت رغم أزمات دولية خانقة: الأزمة المالية العالمية 2008، جائحة كورونا، الحرب على أوكرانيا، وأزمة الجفاف المستمرة منذ سبع سنوات.

ورغم ذلك، حافظ المغرب على دينامية اقتصاده، إذ بلغت مساهمة الفلاحة نحو 7 مليارات دولار في الناتج الداخلي الخام، وتجاوز القطاع الصناعي عائدات الفوسفات. ووفق بنك التنمية الأفريقي، أصبح المغرب ثاني دولة صناعية في أفريقيا، وتصدرت شركاته الكبرى بورصات شمال القارة، بحيث إنه من أصل 20 شركة كبرى في شمال أفريقيا هناك 15 شركة مغربية. كما تصدّر مؤشر المرونة المالية لسنة 2025، واستقطب 17.4 مليون سائح سنة 2024 بزيادة 20% عن السنة السابقة.

وعلى مستوى الخدمات، وصلت نسبة الربط بالكهرباء إلى 90% وبالماء الصالح للشرب إلى 89%، بينما تراجع معدل الفقر متعدّد الأبعاد من 11.9% سنة 2014 إلى 6.8% سنة 2024.

في موازاة ذلك، أطلق المغرب "استراتيجية الذكاء الاصطناعي 2020-2030" ليصبح مركزاً إقليمياً في هذا المجال، وبرز في صناعة السيارات وبطارياتها، وأجزاء ومحركات الطائرات وإصلاحها، إلى جانب صناعة أشباه الموصلات ومراكز تخزين البيانات التي يتصدرها قارياً. كما دشّن أول مصنع مغربي لإنتاج "الكعكة الصفراء" المستخدمة في صناعة الوقود النووي، مستفيداً من ثروته الفوسفاتية الهائلة.

غير أن مسار التنمية لا يخلو من اختلالات، أبرزها الفوارق المجالية بين المناطق الحضرية والقروية والساحلية والداخلية. وقد نبّه الملك محمد السادس في خطاب العرش لسنة 2025 إلى "مغرب يسير بسرعتين"، داعياً إلى تقليص هذه الفجوة. مثل هذه التفاوتات عرفتها دول صاعدة أخرى كالصين والهند والبرازيل وغيرها، وهي ظاهرة ترافق عادة مراحل التحول السريع نحو التصنيع والتحديث، لكنها لا تُلغي جوهر التقدّم الحاصل، خصوصاً حين تكون الدولة واعية بها وتسعى لتصحيحها ببرامج ومخططات محددة الأهداف والأجندات.

إن الحفاظ على هذا المسار التنموي يتطلب قدراً عالياً من الاستقرار، تماماً كما فعلت الدول الصاعدة، وفي مقدمتها الصين التي انتقلت من مخطط بناء الأساس الصناعي 1953-1978 إلى “صُنع في الصين” ثم “ابتكر في الصين” 2016-2025، مروراً بمرحلة الانفتاح والإصلاح 1978-2000 فمرحلة التحديث الشامل 2001-2015، في إطار سعيها لامتلاك ناصية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. هذه التحولات نفسها تفسر جانباً من الصراعات الجيوسياسية الراهنة في العالم.

من هنا نفهم أن استهداف المغرب ليس صدفة، بل هو نتاج موقعه الجديد في الخريطة الاقتصادية والسياسية الدولية وريادته الإقليمية. نجاحه في تحقيق توازن بين الاستقرار والإصلاح والنمو جعله نموذجاً مقلقاً للبعض، وهدفاً لحملات التشويش والحروب غير التقليدية.

لكن اللعبة انكشفت، والدروس واضحة: أقوى سلاح لمواجهة حروب الجيل الخامس هو الوحدة الداخلية، وسدّ الذرائع، وجعل المجتمع والدولة في خندق واحد. وقد أظهر المغرب في ذلك قدراً كبيراً من النضج والجدية، وهو ما يؤهله للمضي بثقة في طريق الدول الصاعدة.