العراق بتوقيت سافايا

كتاب النهار 23-10-2025 | 04:01
العراق بتوقيت سافايا
كانت متوقعة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه الاستدارة نحو العراق؛ فتعيين مارك سافايا بمنصب المبعوث الخاص لإدارة العلاقة بين البلدين، يمثل بداية التنفيذ الفعلي لخطته وبداية التحول الهائل بالملف...
العراق بتوقيت سافايا
ترامب مصافحاً السوداني في قمة شرم الشيخ. (أ ف ب)
Smaller Bigger

كانت متوقعة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه الاستدارة نحو العراق؛ فتعيين مارك سافايا بمنصب المبعوث الخاص لإدارة العلاقة بين البلدين، يمثل بداية التنفيذ الفعلي لخطته وبداية التحول الهائل بالملف، الذي لم يعطه ذلك الاهتمام الكبير منذ بداية ولايته الثانية.

وفيما يبدو أن إشارة ترامب المقتضبة بأن لدى العراق “كثيراً من النفط لا يتقن استثماره” والتي لم تفهم آنذاك، بالرغم من وجود رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بين قادة قمة السلام في شرم الشيخ، يمكن تفسيرها الآن بأنه كان يقصد فشل المعادلة السياسية في إدارة النظام والدولة والمؤسسات والثروات، الأمر الذي يتطلب انغماساً أكبر لإعادة الضبط وإنهاء حالة الفوضى والسلاح وسوء الإدارة وفك الارتباط مع إيران وجعل أميركا أولاً دون منافس لها في العراق.

ومثلما ذكرت المخطوفة الإسرائيلية إليزابيت تسوركوف عن تعيين سافايا: "هذا خبر سيئ للغاية لكل من يخدم مصالح إيران في العراق ويسعى لتقويض السيادة العراقية"، جاء موقف الإطار التنسيقي الحليف لإيران معبراً عن قلق كبير و"برفض تعيينه" باعتباره "خطوة للهيمنة وتدخلاً سافراً"، ما يعطي انطباعاً بأن التعيين كان خلاف توقعاتهم وهم الذين كانوا بانتظار تعيين سفير أميركي في بغداد، ما قد يتيح لهم إمكانية عقد تسوية أو صفقة أو حتى مناورة لكسب الوقت بشأن العديد من الملفات. إلا أن هذا الموقف تجاه سافايا لا يمكن الأخذ به خصوصاً في ظل التنازلات التي قدمها الإطار كجناح سياسي والميليشيات كجناح عسكري لاسترضاء إدارة ترامب لضمان عدم استهدافهم أو إزاحتهم من معادلة السلطة، لذا فهو يعد موقفاً انفعالياً وفارغاً وليس ذا أثر.

لا شك في أن سياسة المبعوث الخاص التي اعتمدها ترامب تعني أن حكومة السوداني فشلت في نقل العلاقة إلى نظام مؤسساتي، ليدفع ترامب المعتمد على "نهج الملك" لتوسيعها لتشمل علاقته مع بغداد، والتي تعنيه كمصالح اقتصادية وأهداف جيوسياسية، الأمر الذي يعد دليلاً على أنه ينظر إلى العراق كبلد أزمات، ليس على مستوى وجود النفوذ الإيراني فقط بل حتى السياسة الداخلية، وبأنه بئر نفط سائب، ودولة فاشلة وطبقة فاسدة وبلد تابع، لذا ستكون مهمة سافايا إعادة ترتيب الأولويات وفق رؤية تتمثل بإنهاء الوجود الإيراني وفك الارتباط العراقي به وتفكيك نفوذ الفصائل المسلحة وكسر هيمنتها على مؤسسات الدولة، وكذلك وضع العراق ضمن مسار الشرق الأوسط الجديد، وهي مهمة المبعوثين في لبنان وسوريا الآن لغرض إعادة ترتيب المنطقة. مع هذا التوجه لترامب سيفقد النظام السياسي العراقي إمكانية المناورة وتدوير الزوايا وتعدد السياسات، وستسقط بين يديه الكثير من السيناريوات الداخلية والإقليمية والدولية، وستكون هناك هزات كبرى.

لسنوات طويلة، كان قاسم سليماني، وفي ما بعد إسماعيل قاآني، مبعوثا المرشد الإيراني يديران الملف العراقي دون العودة للمؤسسات الرسمية الديبلوماسية. وكان الأغلب من الطبقة السياسية يضبط وقته على موعد وصولهما وما سيقررانه لتفاصيل سيادية دون اعتراض. وكان حراكهما هذا مصدر قوة سياسية لعدد من الكيانات أو الشخصيات، إلا أن تعيين سافايا جاء ليغير معادلة ضبط التوقيت وينقلها إلى فاعل يمتلك صلاحيات عالية كون ارتباطه بالرئيس ترامب، الراغب بالإشراف بنفسه على الوضع العراقي. لذا سيكون "مارك" الناقل لأوامر رئيسه مباشرة؛ ومع إدراك الفاعلين المحليين أن نهج ترامب يعتمد مبادئ "الصفقة من خلال القوة" و"التنازل من خلال العقوبة" و"الأمر الواقع من خلال المحاصرة"، لتحقيق أهدافه، ولا يقبل بالرمادية، وإن بقاءهم في المشهد يجب أن لا يكون مخالفاً للتوجيهات الترامبية التي سيمررها المبعوث الخاص، لذا ستكون الساعة لديهم بتوقيت سافايا.