.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
قيادة "حماس" الحالية وقد أدارت ظهرها لغزة وأهلها ترغب في أن تقول إنها لم تغادر المشهد السياسي إلا بعد أن حققت إنجازاً، تمثل بإطلاق سراح أسرى فلسطينيين. أما السبعون ألف قتيل والمعاقون والجرحى واليتامى والأرامل والعوائل المشردة والمناطق المنكوبة وذكريات المجاعة الجماعية فكلّها جزء من ضريبة مقاومة المحتل.
فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطته على الجميع، محاربين ومساهمين ومتضررين ومتعاطفين، قريبهم وبعيدهم على حد سواء. هل كانت تلك الخطة محصلة لوساطات، ذهب بعضها أدراج الريح، ومفاوضات سرية وعلنية، مباشرة وغير مباشرة لا يملك المشاركون فيها قوة الضغط لوقف إطلاق النار وإنهاء حرب الإبادة في غزة؟
لم يكن هناك خلاف على أن طرفي النزاع (إسرائيل و"حماس") كانوا في أوقات سابقة على استعداد لتبادل المخطوفين والأسرى. تلك لم تكن المشكلة. ما كان لنزعة الانتقام الإسرائيلي أن تقف عند ذلك الحد. كانت هناك حاجة لإشباع تلك النزعة المجنونة. أما قيادة "حماس"، وبعد أن صفي الكثير من كوادرها المتقدمة، فكانت بحاجة إلى ضمانات لمرحلة ما بعد الحرب. حتى الإدارة الأميركية لم تكن قادرة على توفير تلك الضمانات.
التركيز على حقيقة أن إسرائيل عجزت عن تحرير الرهائن بالقوة يزين الكارثة التي حلّت بغزة وأهلها. في المقابل، فإنها محاولة لانتزاع نصر وهميّ يُفسّر من خلال تكريس مسألة إطلاق الأسرى الفلسطينيين كما لو أنها كانت هدفاً لما حدث في السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023. وهو ما يفتح الباب على تأويل جارح يتم من خلاله صنع حقائق جديدة تتمحور حول هزيمة إسرائيل وانتصار "حماس".
الخلاف حول تلك النقطة، وهو مطلوب من قبل جهات بعينها، بإمكانه أن يبعدنا عن غزة وأهلها، وعمّا حدث وما سوف يحدث، إضافة إلى أنه يطوي من الأذهان -ولو على مستوى التداول الشعبي- خطة ترامب وما نصت عليه من بنود ترتبت بموجبها التزامات على الطرفين المتحاربين، والتي يمكن اختصارها بمعادلة وقف الحرب مقابل تخلّي "حماس" عن حكم غزة بعد نزع سلاحها.
العربة الخاوية قبل الحصان الميت
ليس هناك ما هو أسوأ من الضحك على الضحية. وإذا كان من المتوقع أن يستدير سلاح "حماس" إلى الشعب الفلسطيني من أجل إسكات الصوت الذي يدعو إلى المراجعة من خلال إبراز كشوفات حساب موثقة، ولا تقبل التزوير، فإن حركة المقاومة الإسلامية بدت مصرّة على وضع العربة الخاوية قبل الحصان الميت، لا لشيء إلا من أجل سرقة الوقت وعدم مواجهة واجب الاعتراف الذي يدينها أو على الأقلّ يحمّلها أعباء الأخطاء التي ارتكبتها منذ هروبها بغزة من السلطة الفلسطينية عام 2007 حتى وقوع الكارثة.
ترغب "حماس" في أن تغادر المشهد السياسي الفلسطيني من غير إدانة، ومن دون شعور بالذنب. ذلك ما لا يمكن انتزاعه من الواقع من غير تأليف سردية يكون الأسرى الفلسطينيون جوهرها الملهم؛ بمعنى أن قيادة "حماس" الحالية، وقد أدارت ظهرها لغزة وأهلها، ترغب في أن تقول إنها لم تغادر المشهد السياسي إلا بعد أن حققت إنجازاً، تمثل بإطلاق سراح أسرى فلسطينيين. أما السبعون ألف قتيل والمعاقون والجرحى واليتامى والأرامل والعوائل المشردة والمناطق المنكوبة وذكريات المجاعة الجماعية فكلّها جزء من ضريبة مقاومة المحتل. في كل ما سمعناه من قيادة "حماس" لم ترد كلمة واحدة تشي بالاعتذار من غزة وأهلها.
ولكن حقيقة ما جرى ستبدو أكثر وضوحاً حين يكفّ سلاح "حماس" عن العمل. يومئذ سيقول أهل غزة كلمتهم. وهي كلمة لم يسبق لفلسطينيي الداخل أن قالوها؛ ذلك لأنها ستكشف عن شعورهم بالخيبة وفقدان الأمل بعد أن وضعتهم "حماس" على ميزان ارتباطاتها الإقليمية، وبالأخص في ما يتعلق بعلاقتها المريبة والمليئة بالألغاز بإيران. وليس نوعاً من المبالغة القول إن حجم الخيبة سيتخطى إدانة الأخطاء التي ارتكبتها الحركة إلى التشكيك بصدق نوايا المقاومة التي خدمت مشروع إسرائيل في التضحية بالقضية الفلسطينية من خلال تحويل غزة وأهلها إلى ملهاة حرب رغبة في منع إسرائيل من التفرغ للتصدي للمشروع النووي الإيراني.
بالونات اختبار للتسلية
لا مجال للعب مع ترامب. تلك حقيقة لا يعترف بها المقاومون على مستوى العلاقة بجمهورهم، ولكنهم يعرفون قيمتها حين يتم استدعاؤهم إلى المفاوضات. تلك معادلة كئيبة، تسخر من خلالها المقاومة من جمهورها الذي فقد الأمل بعد أن عاش جحيم وعودها بالانتصار.
في موازاة خطة ترامب الملزمة التطبيق، تعمل حركة "حماس" على إطلاق بالونات اختبار للتسلية. المفارقة تكمن في أن المقاومين على الرغم من الضربات القاصمة التي تعرضوا لها لا يزال بإمكانهم أن يجدوا وقتاً للتسلية. تلك تسلية كانت قد غُلفت بطابع ثوري. يعتقد المقاومون أن شعار "المقاومة لم تُهزم" لا يزال مقنعاً لسكان غزة من غير أن يدركوا أن حجم الكارثة قد تخطى هزيمتهم التي لم تعد موضع سؤال بالنسبة إلى منكوبي غزة، الذين تحولوا إلى سؤال عالمي للإغاثة. عاد الجميع إلى نقطة ما قبل الصفر. وهي نقطة تحوّل فيها التفكير في القضية إلى رماد. وليس في إمكان أهل غزة ولا مَن ينظرون إلى مصيرهم بقدر هائل من القلق أن يستمروا في إنكار حالة اليأس التي تلبستهم ليبدوا متفائلين بإطلاق عدد من الأسرى من سجون الاحتلال. ففي كل المقاييس تبدو المعادلة التي تستخرج منها "حماس" انتصارها نوعاً من الخداع الذي يُراد منه سرقة وقت لم يعد متاحاً؛ ذلك لأن "حماس"، وفق خطة ترامب، ستغادر غزة، ولن يكون لها مكان في مستقبلها. أما الضمانات الأمنية التي استمات قادتها من أجل الحصول عليها فهي وإن كانت لا تليق بالمقاومين فإنها قد لا تكون ملزمة لإسرائيل.