.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
فيما نعى الموفد الأميركي توم براك الجهود الأميركية الأخيرة لمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، محملاً السلطة في لبنان مسؤولية كبيرة وأساسية عبر تقويم سلبي لأدائها وقدرتها، عمد رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى رمي كرة رفض التفاوض على إسرائيل، منتزعاً المبادرة من يد رئيس الجمهورية جوزف عون حيال الاستعداد للتفاوض من دون تحديد الشكل، بحيث يظهر أنه من غير المرجح أن يلاقي لبنان اتفاق إنهاء الحرب على غزة والديناميكية التي أطلقها بمسار مماثل.
وقد تبين للمسؤولين اللبنانيين أن الرهان على تمايز أميركي - إسرائيلي بدا كبيراً وواضحاً في الضغط الأميركي على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو مد حبل إخراج وإنقاذ له من الحرب على غزة لا ينطبق على لبنان. فالموفد الأميركي أعاد الكرة إلى الملعب اللبناني وحده في تناغم واضح مع الموقف الإسرائيلي، بما يعني فشل الجهود الديبلوماسية من أجل فتح باب التفاوض أو توسيعه بين لبنان وإسرائيل في المدى القريب على الأقل، ما لم يكن تبادل المواقف الإعلامية بين لبنان والموفد الأميركي جزءاً من هذا التفاوض بالذات، ربما في انتظار مقاربة جديدة مختلفة أو قد يعتمدها السفير الأميركي الجديد في لبنان ميشال عيسى.
وعلى رغم عدم مضي أسابيع على الزيارة الأخيرة لبراك لبيروت وما برز من مساع وراء الكواليس، فإن ثمة تقويما رسميا لبنانيا يشكو طبيعة المقاربة من براك الذي اعتمد أسلوب "الصدمة والرعب" في غالبية المواقف التي أطلقها منذ تكليفه الملف اللبناني، أو عدم إيلاء الأهمية التي يحتاج إليها لبنان لإنهاء أزمته. ومن هنا التفكير في إرسال وفد لبناني إلى واشنطن للقاءات واسعة مع المقررين الأميركيين من أجل العمل على تأمين ذلك. ولكن خلاصة المواقف من براك والمسؤولين في لبنان أن الأخير لم يغير مقاربته وشروطه، كما أن إسرائيل لم تغير مقاربتها، بما يطرح تساؤلات عن جاهزية كل منهما والمخاوف من سعي إسرائيل إلى توفير الظروف لذلك عبر ليّ ذراع لبنان على نحو يسابق موعد الانتخابات النيابية المقبلة باعتبارها محطة قد تعيد الأمور إلى الوراء.
التقارير المتعددة التي تتحدث عن إعادة "حزب الله" تنظيم نفسه واستعادة هيكليته وتسليحه لم تجد طريقها بعد إلى أي نفي من السلطات اللبنانية، علما أن هذه التقارير لم تقتصر على المستوى الإعلامي، بل تعدتها إلى تقارير أميركية تحدثت عن إعادة تسلح الحزب وإعادة تمويله من إيران، وهو ما من شأنه أن يترك آثارا سلبية في تقويم أداء الدولة الناشئة. والتزام السلطة في لبنان الصمت سرى في موازاة جملة أمور أخرى شهدها لبنان، من تظاهرة صخرة الروشة إلى التظاهرة الكشفية في مدينة كميل شمعون الرياضية، ولكن أكثر في انطلاق الحديث عن مبادرة رئيس الجمهورية في اتجاه عدم ممانعة لبنان التفاوض مع إسرائيل، بغض النظر عن شكله، من أجل منع تجدد الحرب ومواكبة ما يحصل في المنطقة.
هذا الموقف تم تداوله بسرعة على خلفية ما يرفضه الحزب من تفاوض مع إسرائيل، سواء كان تفاوضا مباشرا أو غير مباشر، وكأنما للحزب كلمته، وهذا أمر واقعي ومتوقع، ولكن ليس في موازاة كلمة الدولة اللبنانية، أو كأن الحزب هو من يحدد خطوات الدولة أو الإطار السياسي لها، أو أنه في أسوأ الأحوال يملك حق الفيتو وقدرته على إعاقة توجه الدولة في هذا الاتجاه. وهذا بعض من تعاط سياسي يساهم في تعظيم كلمة الحزب وجعلها ندية أو موازية لموقف الدولة، علما أن للحزب الذي هو جزء من الحكومة رأيا، لا ينبغي أن يتعدى رأي الإجماع الوزاري، كما حصل في قرار الدولة حصرية السلاح في 5 آب الماضي. التعامل مع هذا الموضوع كما لو أن المسألة بديهية وأمر واقع مفروغ منه، يعطي انطباعا بأن الحزب لا يزال يتحكم في قرار الدولة اللبنانية أو هي على الأقل عاجزة عن تخطيه وفرض رؤيتها ومقاربتها للأمور. وهذا غير مريح في تقويم أداء السلطة في لبنان ولو تحت عنوان مراعاة السلم الأهلي. ولهذه الأسباب يمضي المسؤولون اللبنانيون وقتا طويلا في تبرير ماهية التفاوض أو مبرراته في وقت يبدو الوضع مناسبا لإسرائيل للقيام بما تستمر في القيام به من استهدافات في لبنان، كما يبدو مناسبا للحزب بقاء الستاتيكو الحالي من أجل إعادة تقوية أو تعزيز موقعه، أقله في مواجهة الدولة اللبنانية أو عليها، فيفرض نفسه المفاوض الأساسي بدلا منها كما في السابق، ويستمر في إعطاء إيران ورقة قوية لها في لبنان، وذلك على رغم معلومات تفيد بأن أقصى ما قد يذهب إليه لبنان هو اتفاق أمني على غير ما يروج له الحزب من تطبيع وسلام مع إسرائيل، تساعده في ذلك التصريحات الأميركية من هنا وهناك. والسبب أن نتنياهو بالذات يرفض تقديم تنازلات راهنا ويفضل اتفاقات أمنية على اتفاقيات سلام مع دول الجوار.