الجامعة الجزائرية أمام تحدَي الانخراط الجدي في تثقيف المحيط العام

كتاب النهار 21-10-2025 | 04:13
الجامعة الجزائرية أمام تحدَي الانخراط الجدي في تثقيف المحيط العام
الفوز بالمراتب المتقدّمة وطنياً وعربياً ودولياً وفق ما برز أخيراً في تصنيف "التايمز" العالمي، وفي تصنيف "أرسيف/ Arcif" لا يكفي وحده لجعل الجامعات مركز إشعاع ثقافي ومعقلاً للنهضة الفكرية والعلمية والاقتصادية والجمالية.
الجامعة الجزائرية أمام تحدَي الانخراط الجدي في تثقيف المحيط العام
المراكز الأولى لا تكفي وحدها
Smaller Bigger

على مدى يومين متتالين (19 و20 من هذا الشهر) أبرزت الصحف الجزائرية النجاح الذي حققته كلّ من جامعة الوادي بالجنوب الصحراوي الجزائري، وجامعة سيدي بلعباس بالغرب الجزائري، اللتين احتلّتا المرتبة الأولى وطنياً مناصفة، وفقاً لتصنيف "التايمز" العالمي، والمجلات المحكّمة الجامعية الجزائرية التي فازت بالمرتبة الأولى عربياً حسب تقرير مؤسسة "أرسيف" لهذا العام، لكونها تصدر 426 مجلة محكّمة في مختلف التخصصات، فضلاً عن نشر مئات الأبحاث التي نالت تقدير الملاحظين المتخصصين في مراقبة إنجازات البحث العلمي الجامعي عربياً ودولياً.

من الملاحظ أن محافظة (ولاية) الوادي الجنوبية، التي تبلغ مساحتها 44.585 كلم2، وتعداد سكانها 990.000 نسمة، قد حققت في السنوات الأخيرة قفزة نوعية، إذ أصبحت قطباً فلاحياً وزراعياً على المستوى الوطني والإقليمي معاً. على هذا الأساس صارت هذه المحافظة تلقى عناية من الدولة في مجال التعليم أيضاً، إذ تحتوي جامعتها على 8 كليات يدرس فيها أساتذتها - حسب تصريح مديرها البروفيسور عمر فرحاتي للصحافة الوطنية - "135 تخصصاً في مجالات الطب، والعلوم الدقيقة التكنولوجيا، والبيولوجيا، والآداب واللغات، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، والعلوم الاقتصادية والتجارية، وعلوم التسيير، والحقوق والعلوم السياسية، والعلوم الإسلامية".

بالإضافة إلى ما تقدم، فإن التقرير الذي نشرته الصحف الوطنية أخيراً قدّر عدد الطلبة في جامعة الوادي راهناً بـ 24.438 طالباً. أما عدد الأساتذة المؤطرين فقد قدّرته بـ 1116 أستاذاً. ويعني هذا الكمّ الهائل من الناحية النظرية أن جامعة الوادي الصحراوية مؤهّلة لأن تلعب دوراً إيجابياً في نشر العلم والمعرفة في هذه المنطقة الجنوبية الشاسعة، والتي تتمتع أيضاً بتنوع المؤهّلات السياحية التي تعدّ بحدّ ذاتها ثروة معتبرة.

رغم هذه الإيجابيات المذكورة يرى المراقبون المتخصصون في البيداغوجيات الجامعية أن الفوز بالمراتب المتقدّمة وطنياً وعربياً ودولياً، وفق ما برز  أخيراً في تصنيف "التايمز" العالمي، وفي تصنيف "أرسيف/ Arcif"، يعني أن معامل التأثير والاستشهادات المرجعية للمجلات العلمية العربية، لا يكفي وحده لجعل الجامعات مركز إشعاع ثقافي ومعقلاً للنهضة الفكرية والعلمية والاقتصادية والجمالية.

صحيح أن الحصول على المراتب المتقدمة في التصنيفات الدولية، وأن تأسيس 426 مجلة محكّمة في مختلف التخصصات الأكاديمية مكسبان علميان مهمان بلا أدنى شك، ولكن يلاحظ أن هذه المجلات نخبوية من حيث المقروئية، كما أنها لا تطبع ورقياً ولا توزع عبر المكتبات العمومية عبر المحافظات (الولايات) والدوائر، والبلديات التي يفترض أن عددها الرسمي لا يقل عن 1548 مكتبة بلدية. وكما هو معروف، فإن المجلات التي لا تقيم الحوار مع المجال العمومي تبقى فائدتها ناقصة؛ وأكثر من ذلك فإن حصرها في مواقعها على الإنترنت أمر يجعل مضامينها "شبحية"، مما يحول دون خروجها إلى الفضاء العمومي الواسع في صورة مطبوعات معممة على القراء بمختلف مستوياتهم الثقافية وفئاتهم العمرية.

في الواقع، فإن الملاحظ من كثب هو أن أساتذة الجامعات الجزائرية يختزلون مهمتهم، في الأغلب، ضمن سياج الإطار البيداغوجي النخبوي في المدن الكبرى، حيث توجد الجامعات؛ وجراء هذا لم يتأسس حتى الآن التقليد المعرفي الذي يضمن تحويل هذه المراكز الجامعية إلى بؤر إشعاع من خلال تنظيم سلاسل الندوات والمحاضرات المتواصلة في الفضاء الشعبي.