.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
الآن، وقد تجرّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب المنشّطات السياسية والاقتصادية الاستثنائية في قمة شرم الشيخ من أكواب قادة العالم المصطفين وراءه والجالسين أمامه، وبعدما أغدق عليه الكنيست الإسرائيلي تصفيق التملّق الممل، من الضروري لترامب وأقطاب إدارته مراجعة التفاصيل، وتصحيح بعض الانطباع، والتفكير مليّاً وجديّاً في التحديات ووسائل معالجتها.
التباهي بالقدرات الشخصية وإتقان فن الصفقة وسط وسائل الترغيب والترهيب بات علامة مميزة لرئيس غير تقليدي، يلتذذ بالتعالي والفوقية المقترنة بفن دبّ الرعب في قلوب قادة العالم. رئيسٌ للولايات المتحدة الأميركية لا يتردد بتقليص الدول إلى مشاريع استثمارية، يخاطب قادتها ليس بلغة احترام السيادة وإنما بقدر المليارات التي تجعلها غنية.
دونالد ترامب لديه نزعة طبيعية قد لا يكون يقصدها- أو لربما يقصدها عمداً- وهي نزعة تحقير الآخر حتى عندما يكون الآخر صديقاً أو حليفاً أو شريكاً يؤهِّل به باحتفاء. وهذا من إفرازات النرجسية. ما أنجزه الرئيس ترامب بإنهاء حرب غزة مذهل يُبرز قدراته الخارقة بما يتعدى مظاهر أدائه البهلوانية. إنما، باعترافه، ما حدث كان مشروعاً مشتركاً مع قادة عرب ومسلمين وأوروبيين، وهو يتطلب المتابعة الحثيثة والقليل من الوقار.
حتى عندما يتبنى دونالد ترامب مبدأ "السلام بالقوة"، من المهم أن يكون لديه التصوّر المتكامل ليس لشكل نجاح عزمه فحسب، وإنما أيضاً لتداعيات فشله- أقله لطبيعة العراقيل وكيفية التغلب عليها. فهذه جيرة المراوغة والتذاكي خصوصاً لدى أولئك الذين يدركون أن "السلام بالقوة" هو في الواقع فرض الاستسلام. هؤلاء مستعدون لخيانة الوعد بالسلام تحت مظلة التظاهر بالاستسلام.
ولأن الرئيس ترامب شخص يكره الرتابة ويتململ بسرعة، هناك مخاطر على مسار إدارته في منطقة الشرق الأوسط وكذلك على مصالح الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً أن السمعة الأميركية يُشهد لها بالتنصّل من الأصدقاء والحلفاء (عدا إسرائيل من حيث المبدأ) بخيانةٍ العهد، بلا تردد أو ندم.
وبالتالي، ولأن القيادات في المنطقة العربية والدول الإسلامية تخشى الانقلاب الأميركي المفاجئ عليها لتركها معرّضة بمفردها في الساحة، فأنها تتبنى سياسات متجددة تأخذ كل الاحتمالات في الحساب. هذه قيادات شابة واعية جريئة وليست جاهلة. قيادات لا ترتاح الى الأنماط الترامبية في مخاطبة قادة العالم ولا يعجبها تقليص بلادها إلى أكياس المليارات. قيادات تتجاوب مع الطروحات الأميركية التي ترى فيها فائدة لبلادها وتتحدى الإملاءات التي لا تناسبها.
لربما ما يجدر بدونالد ترامب أن يتنبه إليه هو أن الإطراء مهما كان عالي النبرة، فإنه مؤذٍ إذا لم يقترن باحترام الرزانة والثبات. قد يكون دونالد ترامب معتاداً على النكات والاستهزاء بالآخر لينصب نفسه فوق أيٍّ كان وأينما كان، إلا أنه يغامر بأن يبدو ظاهرةً بلا هيبة، إذا استمر في إخضاع الرئاسة الأميركية لنزعته ونزواته الشخصية.
عدم ثبات الرئيس ترامب على مواقف "تدق" في صميم حاضر النزاعات ومستقبلها في العالم، إنما يقوّض الثقة الضرورية بقيادة الولايات المتحدة. مواقفه نحو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تتأثر بمزاجه بقدر ما تؤثر في سياساته الأعمق نحو الحرب الأوكرانية ومتطلبات إنهائها.
هذا أثّر جذرياً في علاقة القادة الأوروبيين بالرئيس الأميركي والتي راوحت بين القلق العميق مما يعتبرونه اعتباطية القرارات السطحية التي لا تستوعب القارة الأوروبية، وبين الاضطرار الى الابتسام لإرضاء غرور الرئيس الأميركي من أجل احتواء نزعته الانتقامية. بعضهم لايزال يبتلع ريقه ليحتوي انزعاجه البالغ من ازدراء ترامب بالقادة الأوروبيين -حتى في شرم الشيخ- ويحاول احتواء أعصابه بطمأنة نفسه الى أن أوروبا باقية ودونالد ترامب عابر.
في شرم الشيخ، حيث تم ترتيب قمة استعراضية لدونالد ترامب ليتباهى بنفسه ويتمتع بهرولة القادة إليه رغم دعوتهم المستعجلة، بدا "الدونالد"- كما كان يُسمَّى- في عزّه. كاد يدمِّر تلك القمة عندما اتخذ قراراً اعتباطياً باصطحاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى شرم الشيخ، في آخر لحظة. ظن أن هذا هو فن فرض الأمر الواقع للتطبيع بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية، من دون أن يستوعب أن هذا مرفوض من كثيرين، حتى وإن تقبلت مصر الفكرة.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كاد أن يلغي مشاركته في القمة، وكذلك بعض القادة العرب بمن فيهم رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني. بعض قادة الدول الخليجية احتاط من قرارات ترامب الارتجالية، فتجنّب التوجه إلى القمة على أعلى المستويات، إصراراً منه على جديّة معادلة التطبيع مع إسرائيل المرتبطة بموافقتها على قيام دولة فلسطينية.
لم يكن الرئيس الأميركي موفّقاً بتجنبه التحدّث علناً في قمة شرم الشيخ عن حل الدولتين أو حق تقرير المصير للفلسطينيين بما يؤدي إلى قيام دولة من نوع أو آخر. بغض النظر إن كان أكد للقادة في الغرف المغلقة التزامه مبدأ قيام دولة فلسطينية- كما كان اتفق عليه في اجتماع نيويورك الذي ثبّت معادلة التعهد العربي والإسلامي تدجين المقاومة المسلحة وإنهاءها في مقابل التعهد الأميركي فرض حل الدولتين على إسرائيل- بدا دونالد ترامب متحايلاً فيما اللحظة التاريخية تطلبت منه القيادة والوضوح.
صحيح أن المرحلة الأولى من تفاهمات نيويورك انصبّت على الجهود القطرية- التركية- المصرية لترويض "حماس" وضمان انسحابها من غزة عسكرياً وسياسياً، وبالتالي يمكن تبرير عدم حديث ترامب عن الدولة الفلسطينية لأنه أمر للمرحلة التالية التي تقودها السعودية. إنما الصحيح أيضاً هو أنه كان يمكن لدونالد ترامب احترام الحفاوة العربية والإسلامية به وتجنّب إحراج القادة الذين وثقوا بتعهداته.
كان الأجدر بدونالد ترامب ألاّ يتجنّب ذكر الدولة الفلسطينية في شرم الشيخ بعدما كان صفع القادة المسلمين، بإعلانه من الكنيست الإسرائيلي تعهده الدائم أن تكون القدس عاصمة موحدة لإسرائيل إلى الأبد. هذه إهانة، وليس سياسة. هذا موضع استنكار وليس محفّزاً للاستثمار.
ارتجال ترامب طلب العفو لنتنياهو من الرئيس الإسرائيلي أتى ليكون بدوره إهانة تضاف إلى الجرح- فهذا رجل الإبادة للفلسطينيين وهو قال في جلسة الكنيست نفسها إن دونالد ترامب تعهّد لإسرائيل أن تنفّذ رؤيتها ليهودا والسامرة، أي أن غزة والضفة الغربية لإسرائيل بحسب المفاهيم التوراتية.
كان أجدى بفريق ترامب أن يبيّن جديّة الرئيس الأميركي في تعهده عدم السماح لإسرائيل بضم الضفة الغربية أو إعادة احتلال غزة، كما عبّر علناً. فهذا تصريح سيبقى يلاقي التشكيك ما لم يأخذه دونالد ترامب وفريقه الى مرتبة أعلى من الالتزام- وعندئذٍ يمكن الكلام عن "عقيدة ترامب" بجديّة.
السلام بالقوّة، وقوّة السلام، حجران أساسيان في عقيدة ترامب. كلاهما يستحقان منحهما الفرصة لتحقيق تغيير أساسي في مسيرة الشرق الأوسط وغيرها من مسارات النزاعات في العالم.
جرأة دونالد ترامب في إرغام بنيامين نتنياهو على الاعتذار علناً من القيادة القطرية لقيامها بالتعدي على السيادة القطرية سعياً وراء قادة "حماس"، تركت أثرها الجذري في النظرة العربية والإسلامية إلى الرئيس الأميركي. ثم أن إرغام ترامب لنتنياهو على الموافقة على إنهاء الحرب أتى ليؤكد عزم الرئيس الأميركي على فتح صفحة جديدة من التعامل مع إسرائيل، لأن نتنياهو كان في اللحظة ذاتها يعلن استمرار الحرب.
بالتأكيد، هذه إجراءات في مسيرة العلاقة الأميركية- الإسرائيلية وليست تحوّلاً أساسياً بعيداً من العلاقة العضوية التحالفية بين البلدين. لكنها ليست رمزية. إنها تطوّر مهم في إطار العلاقة الأميركية مع دول منطقة الشرق الأوسط. فدونالد ترامب رسم معالم علاقات استراتيجية، سياسية واقتصادية ومالية وعقائدية، مع أهم دول الخليج والشرق الأوسط، توازياً مع العلاقة العضوية مع إسرائيل. هذا جديد. وهذا أساسٌ في عقيدة ترامب.
ما حدث في قمة شرم الشيخ هو إبرام عقد بين الولايات المتحدة وبين الدول الضامنة لتنفيذ خطة ترامب لغزة، وهي تركيا وقطر ومصر، حيث التزم الطرفان عهداً لإنجاح الخطة. هذا يعني أن الضامن لإذعان إسرائيل هو الرئيس الأميركي، والضامن لإخضاع حركة "حماس" هم قادة تركيا ومصر وقطر.
اللافت هو أن الرئيس ترامب نفسه ومبعوثيه الكبيرين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، أبدوا تساهلاً حيال حركة "حماس" وتفهماً لها، بما في ذلك عندما كانت تقوم بإعدام المدنيين الفلسطينيين في عقر الدار الفلسطينية في غزة. ترامب، كعادته، عدّل خطابه عندما أدرك أنه كان يبارك إعدام مدنيين، فتراجع.
الأهم، أن هناك غموضاً في شأن السؤال الجذري الفائق الأهمية وهو: إلى أين ستتوجه "حماس" والفصائل الفلسطينية المتطرّفة الأخرى، بقياداتها وعتادها؟ مصر قادرة على تطويقهم. كذلك تركيا. كذلك قطر. إنما لا أحد يتنبّه إلى خطورة توجههم إلى لبنان، حيث "حزب الله" في انتظارهم لإعادة إحياء ما الذي تم التوافق على تدميره في خطة ترامب: المقاومة المسلحة. وإيران على أهبة الاستعداد.
لبنان اليوم يقع في غرفة العناية الفائقة ولا يتحمل أن يكون مكبّاً لأي طرف كان- إسرائيلياً، أو فلسطينياً، إيرانياً، أو عربياً أو تركياً أو أميركياً. الدعم الشفوي مشكور، وكذلك القدر المتواضع من الدعم للجيش اللبناني.
إنما المطلوب هو أن يكون لبنان جزءاً أساسياً من خطة ترامب للشرق الأوسط، كونه لايزال رهينة لإيران و"حزب الله" وللفصائل الفلسطينية، وهو مهدد بتحوّله إلى غزة أخرى تحت مرمى الانتقام الإسرائيلي. كل هذه الأطراف تتلاقى على تقويض سيادة الحكومة اللبنانية وسلطتها لخدمة غاياتها. انها بوتقة التطرّف العازمة ليس على استخدام لبنان محطة فحسب، وإنما أيضاً على نسف عقيدة ترامب.
دونالد ترامب مدعو شخصياً إلى التنبه إلى هذه الهشاشة. حسناً يفعل باستدعاء إيران إلى قطار السلام والالتحاق بالمسار الجديد في الشرق الأوسط. لكن على الرئيس الأميركي أن يعي أن عقيدته رهن الاختبار ليس فقط عبر الدول وإنما عبر الجماعات المتفرقة التي تستحقها الدول -إيران بالذات- على تدمير عقيدة ترامب تماماً كما يسعى ترامب وراء تدمير عقيدتها.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تعدّل عقيدتها النووية والصاروخية والتوسعية عبر الأذرع اللبنانية والفلسطينية واليمنية والعراقية. معركتها الآن هي حرب على عقيدة ترامب لفرض السلام بالقوة. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية وإسرائيل معاً لا يناسبهما الانسياق إلى قوة السلام. ذلك أن منطق وجودهما مبني على الاستفادة من قوة الحروب والتخريب للابتزاز، والسلام لا يوافق عقيدتيهما.
ماذا سيفعل رجل المفاجآت والارتجال والثقة العارمة بنفسه والتلذذ بالتربّع على أهم كرسي حكم في العالم؟ عسى أن يضع التسلية والاستهزاء والهَوس بالصفقة في مرتبة تلي استحقاقات نسج عقيدة قوامها الوقار والاتزان.