.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
القوم مستاؤون بعدما "تجرأت" إيناس الدغيدي، المخرجة المصرية الشهيرة، على إقامة حفل لعقد قرانها، وقد دخلت عامها الـ72. إنهم يتساءلون من أين أتت بـ"الصفاقة" الكافية لترتدي الفستان الأبيض، وتلتقط الصور التذكارية مع ابنتها وحفيدتها؟ وكيف استطاعت الوقوف بين صديقاتها وهن يطلقن "الزغاريد" العذبة احتفاء بها؟
لا جديد. هكذا هي شعوبنا العربية في قسوتها البالغة على الأشخاص بعد بلوغهم عمراً معيناً، إذ نتوقع منهم ألا تخفق قلوبهم، وألا يغامروا، وألا يتعلموا، وألا يطمحوا ويحلموا، وألا يكترثوا لمظاهرهم. والوضع سيان لدى شعوبنا الخليجية، فالمتوقع من المرء هنا حين يتقدم به العمر أن يعتكف منتظراً ملك الموت، وما أن يقدم على تجربة دنياه بكامل تفاصيلها حتى نقابله مستنكرين بعبارة "يا الله بحسن الخاتمة"، ونصفه احتقاراً بـ"المتشبب" و"المتصابي". ولا أبالغ حين أقول إنّي سمعت من يندّد بتسكّع كبار السن في المقاهي، أو بقيادتهم للدراجات الهوائية، فهم في عرف المجتمع مومياءات حيّة لا أكثر!
وأشعر أحياناً بأن منشأ هذه القسوة هو أننا جُبلنا على "تحريم" الحياة، فهي مدنّسة، خاطئة، مشوّهة، والأصل هو ألا تكون عامرة بالضحك والفرح والحب. ولأن للحياة جاذبيتها الطاغية، فنتساهل مع شبابنا النافرين إليها، ولكن ما أن يتقدّم بالمرء العمر حتى نشعره بأن "المهلة" قد انتهت، وعليه العودة إلى الوجوم والضجر والاكتئاب وانعدام الشهية في كل شيء.
ولست أكتب هذه المقالة لأعظكم، أو لأستهجن تنمركم على الدغيدي، فاِقسوا على فئتها العمرية بقدر ما تريدون، واسلبوهم الملذات، واسخروا من مساعيهم للسعادة. ولكن بشرط!
فلا نريد أن نسمع معلّقاتكم عن العجوز الأوروبية المتحلّية بالاستقلالية التامة، والتي تقضي احتياجاتها بنفسها، ولا ثناءكم على الشائب الصيني الذي ينهض بحيوية لممارسة "التاي تشي" و"الكونغ فو". ولا يحق لكم التغنّي بالعجوز البيضاء المرتدية لمعاطف الفرو وقبّعات الريش، وزوجها الذي لا يخرج سوى بحلّة أنيقة من ثلاث قطع. ولا يحق لكم كذلك مطّ شفاهكم تأثراً، وذرف دموع غبطتكم، حين ترونهما يمشيان متأبطي ذراعي بعضهما البعض بعشق. لم يعد من المسموح لكم الإعجاب بكبار السن اليابانيين الرافضين للتقاعد، ولستم مخولين بالتحدث عن مجموعات السفر التي تنظمها النساء الغربيات الخمسينيات والستينيات، حيث يجبن العالم، ويتعرفن على الثقافات، ويتشربن التاريخ.
والأهم من كل ذلك أنكم ممنوعون من وضع "عجائزنا" في مقارناتكم التافهة ضد "عجائز" الشرق والغرب. لا تخبروننا عن عظمة إقبالهم على الحياة، ومدى نهمهم للنمو والتعلم، مقارنة بعجائزنا "الخامدين المتقاعسين" الذين انطفأت في أعينهم لمعة البقاء. لا تخبروننا عن استعدادهم لإعادة اكتشاف أنفسهم بينما "تتقاعد" أرواح عجائزنا قبل أجسادهم. لا تخبروننا عن حفاظهم على صحتهم بينما تفتك الأمراض بعجائزنا، ولا تذكروننا ضاحكين كلما رأيتم عجوزاً نشيطاً بأن أقرانه لدينا "يصلون جلوساً على الكراسي".
إنهم مومياءاتكم الحية كما قررتم لهم أن يكونوا.